فخر الدين الرازي

305

الأربعين في أصول الدين

--> بطول الأزمان ، وباستيلاء الملل الجاهلية علينا ، وبكون تلك الأمور لم تكن مباحة للناس كلهم . فما كان الشيء المباح للناس كلهم : الا نصوص الكتب فقط . والفقه المروى ما كان مدونا في القديم ، للأمر المستفاض في الملة . وهو : « الأمور التي أخبرتك بها شفاها ، لا يجوز لك أن تكتبها » وذلك كان في غاية الحكمة من الشريعة ، لأنه هرب مما وقع فيه الناس أخيرا . وهو كثرة الآراء وتشعب المذاهب ، بسبب اشكالات تقع في عبارة المدون للسهو الّذي يصحبه . ويحدث بسببه الانقسام بين الناس ويصيرون فرقا ، ويتحيرون في الأعمال الشرعية . . . واتفق في ابتداء الاسلام أن أصحابنا أخذوا عن المعتزلة ما أخذوا . ولم يأخذوا عن الأشعرية شيئا . لأنهم ظنوا أن آراء المعتزلة مقبولة للبرهنة عليها . . . الخ ( ج 1 ص 179 فصل : عا ) ثانيا : يقول مؤلف دلالة الحائرين : ان رؤية اللّه تعالى ممتنعة . كما يقول المعتزلة . ويذكر الحقيقة والمجاز في الألفاظ الدالة على الرؤية هكذا : « اعلم : أن « رأى » و « نظر » و « حزى » ثلاثة هذه الألفاظ تقع على رؤية العين ، واستعيرت ثلاثتها : لادراك العقل . اما ذلك في « رأى » فمشهور عند الجمهور . قال : « ونظر فإذا بئر في الصحراء » ( تك 29 : 2 ) وهذه رؤية عين على الحقيقة لا على المجاز وجاءت « رأى » على المجاز : « وفي قلبي رأى كثير من الحكمة والعلم » ( جاء 1 : 16 ) وهذا ادراك عقلي ، لا رؤية عين . وبحسب هذه الاستعارة ، تكون كل لفظة جاءت عن الرؤية في اللّه تعالى . مثل قوله : « رأيت الرب » ( 1 مل 22 : 19 ) « يرى له الرب » ( تك 18 : 1 ) « ورأى اللّه ذلك أنه حسن » ( تك : 10 ) « أرني مجدك » ( خر 33 : 18 ) « فرأوا إله إسرائيل » ( خر 24 : 10 ) كل ذلك ادراك عقلي ، لا رؤية عين بوجه . إذ لا تدرك الأعين الا جسما ، وفي جهة . وبعض أعراضه أيضا . أعنى ألوان الجسم وشكله ونحوها . وكذلك هو تعالى لا يدرك بآلة .