فخر الدين الرازي

124

الأربعين في أصول الدين

وقد دللنا على أن اختصاص كل واحد من الأجسام بصفته المعينة ، لا بدّ وأن يكون من الجائزات . ولا بد للجائز من مرجح ومخصص . فثبت بهذا : افتقار جميع الأجسام في أحيازها وصفاتها إلى مخصص ومرجح ، ثم ذلك المرجح ان كان جسما افتقر هو أيضا في حيزه المعين ، وشكله المعين ، وصفته المعينة إلى مخصص ومرجح ، ثم ذلك المرجح إلى مخصص ومرجح . وذلك يفضى إلى التسلسل . وهو محال - كما سبق - فثبت : افتقار جميع الأجسام في جميع صفاتها إلى موجود ليس بجسم ولا بجسمانى . وإذا أردنا أن نبين أن ذلك الموجود : واجب الوجود لذاته ، رجعنا إلى بعض ما ذكرناه في البرهان الأول . الطريق « 16 » الثالث في اثبات العلم بالصانع تعالى : الاستدلال عليه بحدوث الجواهر والأجسام : وتقريره : ثبت أن الأجسام محدثة ، وكل محدث فله محدث . فالأجسام مفتقرة إلى المحدث . أما بيان أن الأجسام محدثة ، فقد تقدم . وأما بيان أن كل محدث ، فله محدث . فللناس هاهنا طريقان : الأول : ان كل محدث فهو جائز الوجود لذاته ، وكل ما كان جائز الوجود لذاته ، فهو مفتقر إلى المؤثر . وانما قلنا : ان كل ما كان محدثا ، فهو جائز الوجود لذاته . وذلك لأن كل ما كان محدثا ، فقد كان قبل وجوده معدوما . ولو لم تكن ماهيته قابلة للعدم ، لما كان معدوما . وأيضا : كل محدث ، فإنه بعد حدوثه موصوف بالوجود ، ولو لم

--> ( 16 ) البرهان : ص .