مقاتل ابن عطية

663

أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد

ذلك ، أما الإجماع فنقله غير واحد منهم الزركشي في البرهان وأبو جعفر بن الزبير في مناسباته . . » « 1 » . ثانيا : إنّ وعد اللّه تعالى لرسوله بالأمن من مكر اليهود والنصارى جدير أن يكون في أول البعثة لا في أواخر أيامه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم التي كان يهدّد فيها دول العالم وتهابه الأمم ، وقد فتح خيبر واستأصل شأفة بني قريظة والنضير ، وعنت له الوجوه وخضعت له الرقاب طوعا وكرها ، وفيها كانت حجة الوداع التي نزلت فيها آية البلاغ . هذا بالإضافة إلى أن آية البلاغ ليس فيها ما هو خطر على اليهود والنصارى صراحة ، مع أن هناك آيات نزلت قبلها ، فيها تصريح بنفي الوثنية والشرك وذم المشركين من العرب واليهود والنصارى ولم يهدده اللّه تعالى في أمر تبليغهم ولا آمنه بالعصمة منهم . ثالثا : إنّ المتصفح لسورة المائدة يرى أن معظمها يتعرض لحال اليهود والنصارى ، وقد بلّغها النبيّ الأكرم من دون أن يهدده اللّه تعالى ، مع التأكيد على أن اليهود عند نزول سورة المائدة قد كسرت شوكتهم وخمدت نيرانهم ، وشملتهم السخطة واللعنة فلا معنى لخوف النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم منهم في دين اللّه تعالى ، وقد دخلوا يومئذ في السلم والإسلام وقبلوا هم والنصارى الجزية ، ولا معنى لتقريره تعالى له خوفه منهم واضطرابه في تبليغ أمر اللّه تعالى إليهم وهو أمر قد بلّغ إليهم ما هو أعظم منه ، وقد وقف النبيّ قبل هذا الموقف فيما هو أهول منه وأوحش . بهذه الوجوه يتعيّن حمل الخوف الحاصل عند النبيّ من منافقي قومه لا خوفه من اليهود والنصارى كما ادّعى الرازي ، لأنه من الواضح أن النبيّ لا يخشى منافقي قومه في تبليغ شيء جاء به إلّا نصب أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام إماما ، وقد ورد عندنا أنّ جبرائيل عليه السّلام نزل على النبيّ في حجة الوداع وأمره عن اللّه تعالى

--> ( 1 ) الاتقان في علوم القرآن ج 1 / 132 .