مقاتل ابن عطية

519

أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد

أما شرط العلم ؛ فلأن الإمام كالنبيّ هو الملجأ العلمي للناس ، فلا بدّ أن يكون عارفا بجميع أصول الدين وفروعه ، وبظاهر القرآن وباطنه ، وبسنّة النبيّ ، وبكل شيء له علاقة مباشرة بالإسلام أو غير مباشرة بحيث يشمل علمه كل شيء بإذن اللّه تعالى . إنّ الذين يرتبكون « 1 » إذا ما واجهوا مشكلة معقّدة ، أو أنهم يرجعون إلى الآخرين يطلبون منهم الحلول « لأن ما عندهم من علم يقصر عن الإجابة على أسئلة المجتمع المسلم » ليس لهم أن يتحمّلوا مسؤولية إمامة الأمّة وقيادتها . . فالإمام يجب أن يكون أعلم الناس وأوعاهم لدين اللّه ، وأن يملأ الفراغ الذي يتركه النبيّ لكي يستمر الإسلام بمسيره الصحيح الخالي من كل انحراف في مسيرته . وأما شرط العصمة ؛ فلا بدّ أيضا أن يكون الإمام معصوما أي مصونا من كل خطأ وإثم ، وإلّا فإنه غير قادر على أن يكون قائدا فذا فريدا ، وقدوة وأسوة للناس يعتمدونه ويتبعونه . لا بدّ للإمام من أن يستحوذ على قلوب الناس ، فيأتمرون بأمره دون اعتراض . . فمن كان ملوّثا بالإثم لا يمكن أبدا أن يبلغ هذا المبلغ في القلوب ، ولا أن يكون موضع ثقة الناس واطمئنانهم . ومن كان في أعماله اليومية عرضة للأخطاء والهفوات ، كيف يمكن أن يوثق به في إدارة أعمال المجتمع ، ويطمأنّ إلى آرائه وتنفيذها بدون أي اعتراض ؟ إذن ، لا بدّ من أن يكون النبيّ معصوما وكذا خليفته مثله يجب أن يتحلّى بصفة العصمة لئلّا يقع في المعاصي فيغرّر غيره بالوقوع فيها ، وهو خلاف اللطف الإلهي من بعثه وإرساله ليقرّب الناس إلى الطاعة ويبعّدهم عن المعصية . كما يجب على الإمام أن يكون متحرّرا من قيود النفس الأمّارة والثروة والجاه لكي لا يستطيع أحد إغراءه والتأثير عليه بحيث يحمله على الاستسلام والمساومة .

--> ( 1 ) الارتباك : الاضطراب والاختلاط .