مقاتل ابن عطية
501
أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد
خَلِيفَةً « 1 » ، وقوله : يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ « 2 » . وفي بقية الموارد جاءت الآيات بصيغة الجمع كما في قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ « 3 » ، وقوله : ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ « 4 » . [ معنى الخلافة ] ويراد من خلافة هؤلاء في هذه الآيات الحلول محلّ الغابرين والقيام مقامهم وهو مما تؤكده القرائن الحافة بالآيات إلا أنّ المراد من ( الخلافة ) في الآيتين اللتين ذكر فيهما اللفظ بصيغة المفرد هو القيام مقام الخالق والجاعل اللّه عزّ اسمه في الولاية والسلطنة ، وبتعبير آخر : هي « الخلافة الإلهية » وذلك لأن قوله تعالى : إِنِّي جاعِلٌ و يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ . . . لا يقصد منه عزّ وجل جعلهما خليفتين لمن سبقهما من المخلوقات الأخر التي كانت تعيش قبل ذلك على وجه الأرض كالجنّ والنسناس ، وذلك لأمور : أولا : لأن داود عليه السّلام إنما صار خليفة للّه تعالى لا لمن تقدّمه من الأنبياء السابقين بقرينة تفريع الذيل بقوله : فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ والشواهد والقرائن الدالة على سلطنة داود على عالم المادة وتسخيرها والمخلوقات له عليه السّلام مما يعكس خلافة اللّه سبحانه على الكائنات . مضافا إلى أن خلافة داود عن الأنبياء دون اللّه عزّ وجلّ لم يقم عليها دليل ، فهي منفية بالأصل . وعلى فرض أن خلافة داود هي انعكاس لخلافة الأنبياء فبما أن خلافتهم لازمة عن الخلافة الإلهية ، وخلافة داود لازمة لخلافتهم ، تكون خلافته لازمة للخلافة الإلهية ، إذ لازم اللازم لازم . ثانيا : إنّ إطلاق لفظ « خليفة » من غير إضافة إلى المخلوق يؤكّد أن الإنسان
--> ( 1 ) سورة البقرة : 30 . ( 2 ) سورة ص : 26 . ( 3 ) سورة الأنعام : 165 . ( 4 ) سورة يونس : 14 .