مقاتل ابن عطية
488
أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد
وفي لفظ سادس : « إني وليت هذا الأمر وأنا له كاره ، واللّه لوددت أنّ بعضكم كفانيه » « 1 » . ونحن نسأل : كيف كان أبو بكر يكره أمرا جعله اللّه له - بحسب زعمه وصاحبه عمر - ثم يودّ أن يكفيه غيره ، وقد حالوا بين النبيّ وبين أمله بالوصية بالإمام عليّ وهو على فراش الموت ؟ ! وكيف لا يرجو تلك الإمارة التي من أجلها ارتكبوا عظائم الأمور ؟ ! وكيف كان يرى للناس في إقالته اختيارا ، ولرده لمشيئة اللّه به وعهده لنبيه مساغا وقد رووا عن النبيّ أنه قال : يأبى اللّه ورسوله والمؤمنون إلا أبا بكر « 2 » ؟ ! ! وكيف يكل أمر الأمة إلى مشيئتها وقد ردّت مشيئة النبيّ في ذلك ؟ ووقع في السماوات ما وقع يوم أعرب صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن أمنيته . وكيف يستقيل منها أبو بكر في أول حياته ثم يعقدها لعمر بعد وفاته على حدّ قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام : « . . . أرى تراثي نهبا حتى مضى الأول لسبيله ، فأدلى إلى فلان بعده - أي إلى عمر بن الخطّاب - . شتان ما يومي على كورها * ويوم حيّان أخي جابر فيا عجبا ! بينا هو يستقيلها في حياته ، إذ عقدها لآخر بعد وفاته ! لشدّ ما تشطّرا ضرعيها ! فصيّرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها ويخشن مسّها ، ويكثر العثار فيها ، والاعتذار منها ، فصاحبها كراكب الصّعبة ، إن أشنق لها خرم ، وإن أسلس لها تقحّم ، فمني الناس لعمر اللّه بخبط وشماس ، وتلوّن واعتراض ، فصبرت على طول المدة ، وشدة المحنة حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أني أحدهم ، فيا للّه وللشّورى . . » « 3 » .
--> ( 1 ) صفوة الصفوة لابن الجوزي ج 1 / 99 . ( 2 ) سيرة ابن هشام ج 4 / 303 فصل تمريض الرسول في بيت عائشة . ( 3 ) الخطبة الشقشقية : نهج البلاغة ج 1 / 25 محمد عبده ، وشرح النهج لابن أبي الحديد ج 1 / 126 .