مقاتل ابن عطية
407
أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد
رسول اللّه يوما فينا خطيبا بما يدعى خما بين مكة والمدينة ، فحمد اللّه وأثنى عليه ووعظ وذكرهم ثم قال : أما بعد ألا أيّها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب ، وأنا تارك فيكم الثّقلين ، أوّلهما كتاب اللّه فيه الهدى والنور ، فخذوا بكتاب اللّه واستمسكوا به ، فحثّ على كتاب اللّه ورغّب فيه ثم قال : « وأهل بيتي أذكركم اللّه في أهل بيتي ، أذكركم اللّه في أهل بيتي » . وقد روي متواترا من الطريقين قوله للإمام عليّ عليهما السلام : ستقاتل بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين . وروي عنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنه قال : عليّ ولي كل مؤمن من بعدي . وقد روي في المفتريات : اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر . وقد كان كثير مما خطب به صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على رؤوس الأشهاد ، فهل يجوّز عاقل أن لا يقرع شيء من ذلك سمع عمر مع شدة ملازمته للرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . ومن شك في مثل ذلك هل يجوّز من شم رائحة من العقل أن يفوّض إليه أمر بهيمة ، فضلا أن يفوّض إليه أمر جميع المسلمين ، ويرجع إليه في جميع أحكام الدين . وأمّا اعتذار ابن أبي الحديد بأنّه لم ينكر عمر ذلك على وجه الاعتقاد ، بل على الاستصلاح ، وللخوف من ثوران الفتنة قبل مجيء أبي بكر ، فلما جاء أبو بكر قوي به جأشه ، فسكت عن هذه الدعوى ، لأنه قد أمن بحضوره من خطب يحدث ، أو فساد يتجدّد . فيرد عليه أوّلا : أنه لو كان إنكاره ذلك إيقاعا للشبهة في قلوب الناس حتى يحضر أبو بكر ، لسكت عن دعواه عند حضوره ، وقد روى ابن الأثير في الكامل : إنّ أبا بكر أمره بالسكوت فأبى ، وأقبل أبو بكر على الناس ، فلما سمع الناس كلامه أقبلوا إليه وتركوا عمر « 1 » .
--> ( 1 ) الكامل في التاريخ ج 2 / 219 .