مقاتل ابن عطية
389
أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد
وأمّا الروايات التي استدل بها القائل بالنسخ فهي على طوائف منها : ما ينتهي بسنده إلى الربيع بن سبرة عن أبيه ، ومنها ما روي عن أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام ، ومنها ما روي عن سلمة بن الأكوع . « أمّا ما ينتهي سنده إلى سبرة ، فهو وإن كثرت طرقه إلّا أنه خبر رجل واحد « سبرة » وخبر الواحد لا يثبت به النسخ . على أن مضمون بعض هذه الروايات يشهد كذبها ، إذ كيف يعقل أن يقوم النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم خطيبا بين الركن والمقام ، أو بين الباب والمقام ، ويعلن تحريم شيء إلى يوم القيامة بجمع حاشد من المسلمين ، ثم لا يسمعه غير سبرة ، أو أنه لا ينقله أحد من ألوف المسلمين سواه ، فأين كان المهاجرون والأنصار الذين كانوا يلتقطون كل شاردة وواردة من أقوال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأفعاله ؟ وأين كانت الرواة الذين كانوا يهتمون بحفظ إشارات يد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ولحظات عينيه ، ليشاركوا سبرة في رواية تحريم المتعة إلى يوم القيامة ؟ ثم أين كان عمر نفسه عن هذا الحديث ليستغني به عن إسناد التحريم إلى نفسه ؟ ! أضف إلى ذلك أنّ روايات سبرة متعارضة ، يكذّب بعضها بعضا ، ففي بعضها أنّ التحريم كان في عام الفتح وفي بعضها أنه كان في حجّة الوداع . وعلى الجملة إن رواية سبرة هذه في تحريم المتعة لا يمكن الأخذ بها من جهات شتى . وأما ما روي عن علي عليه السّلام في تحريم المتعة فهو موضوع قطعا ، وذلك لاتفاق المسلمين على حلّيتها عام الفتح ، فكيف يمكن أن يستدل علي عليه السّلام على ابن عبّاس بتحريمها في خيبر . وأمّا ما روي عن سلمة بن الأكوع عن أبيه ، قال : « رخّص رسول اللّه في متعة النساء عام أوطاس ثلاثة أيام ثم نهى عنها » فهو خبر واحد ، لا يثبت به النسخ ، على أن ذلك لو كان صحيحا لم يكن خفيا عن ابن عبّاس ، وابن مسعود ، وجابر ، وعمرو ابن حريث ، ولا عن غيرهم من الصحابة والتابعين ، وكيف يصح ذلك ولم يحرّم أبو بكر المتعة أيام خلافته ، ولم يحرّمها عمر في شطر كبير من أيامه ، وإنما حرّمها في أواخر أمره ، هذا مع ثبوت حليتها عند جماعة من الصحابة والتابعين » « 1 » .
--> ( 1 ) البيان في تفسير القرآن للخوئي ص 321 .