مقاتل ابن عطية
332
أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد
الطب بين أظهرنا ، مع أن الكتب الطبية أشمل للفروع من الكتاب الكريم لتفاصيل الأحكام الشرعية . هذا مضافا إلى أن الكتاب دعا لإطاعة رسول اللّه « 1 » والأخذ منه « 2 » ، ولم تقيّد إطاعته أو الأخذ منه في حال الصحة دون المرض ، فيبقى الإطلاق منعقدا في الظهور عرفا وعقلا وشرعا ، فما فعله عمر من المنع عن كتابة ما يمنع عن الضلال عين الضلال والإضلال ، وكثرة الخلاف بين الأمة ، وتشتت طرقها مع وجود كتاب اللّه بينهم دليل قاطع على عدم رفع الاختلاف « 3 » . الشبهة الخامسة : أن عمر أشفق على الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من تحمل مشقة الكتابة مع شدة الوجع . يرد عليه : إن رسول اللّه لم تجر عادته في أيام صحته بأن يكتب الكتاب بيده ، وإنما كان يملي على الكاتب ما يريد ، إما لكونه أميا لا يقرأ ولا يكتب - حسبما يميل إلى هذا الرأي جمهور العامة - أو لكونه لا يتعاطى القراءة والكتابة ، - وهو الحق عندي - ولم يكن ذلك مستورا على عمر ، فكيف أشفق عليه من الكتابة ؟ وأمّا الإملاء فمن أين علم أنه لا يمكن للرسول التعبير عمّا يريد بلفظ مختصر ، وعبارة وجيزة لم يكن في إلقائها إلى الكاتب مشقة لا يقدر على تحمّلها ، على أن تحمّله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم للمشاق في هداية الأمة لم تكن هذه الكتابة مبدأه ، فكيف لم يشفق عمر في شيء من المواضع إلّا فيما فهم أن المراد تأكيد النص في أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام ؟
--> ( 1 ) كآية إطاعة الرسول وأولي الأمر . ( 2 ) كقوله تعالى : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا الحشر : 7 . ( 3 ) جرت محاورة بين هشام بن الحكم أحد أصحاب الإمام الصادق عليه السّلام مع رجل شامي ، وقد بيّن فيها هشام عدم كفاية الكتاب وحده لرفع الاختلاف ، راجع أصول الكافي ج 1 / 171 ح 4 والاحتجاج للطبرسي ج 2 / 122 .