مقاتل ابن عطية

333

أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد

ولا ريب أن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان أشفق على نفسه وأعلم بحاله من عمر بن الخطاب ، فبرودة مثل هذا الاعتذار مما لا يرتاب فيه ذو فطنة ، ورب عذر أقبح من ذنب ، وهنا موضعه . وأما اشتداد الوجع فإنما استند إليه عمر لإثبات أن كلامه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ليس مما يجب الإصغاء إليه ، لكونه ناشئا من اختلال العقل لغلبة الوجع وشدة المرض ، وهذا الاختلال نوع جنون ، وقد نزهه سبحانه عنه ، كما أنه تعالى كشف حقيقة بعض الأصحاب الذين نعتوه بالهذيان بقوله تعالى : قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ « 1 » . وَالنَّجْمِ إِذا هَوى * ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى * وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى « 2 » . إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ( 19 ) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ( 20 ) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ( 21 ) وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ « 3 » . إن قيل : إن قول عمر « حسبنا كتاب اللّه » ردّ على من نازعه ، لا على أمر النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . قلنا : إن هذا ظاهر الفساد ، وذلك لأن الرواية التي رواها البخاري في باب كتابة العلم صريحة في أنه ردّ على قول النبيّ ، وأنّ الاختلاف من الحاضرين إنما وقع بعد قوله ذلك ، وكذلك روايته في باب قول المريض : قوموا عنّي . هذا مضافا إلى ما أوردناه سابقا على هذه الشبهة فليراجع .

--> ( 1 ) سورة سبأ : 46 . ( 2 ) سورة النجم : 1 - 5 . ( 3 ) سورة التكوير : 19 - 22 .