مقاتل ابن عطية
179
أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد
ومرجع آخر لتعيين الإمام ، هذا الطريق هو مرجعية الأمة بمعنى أن تعيين الإمام الخليفة راجع إلى الأمة الإسلامية ، وألغوا خصوصية النص الجلي ، مدعين أن النبي ارتحل من عالم الوجود ولم ينصّب على الأمة أحدا ينوب مكانه ، بل ترك أمر تعيينه إلى الأمة . وقد اختلف العامة فيما بينهم في تحديد ماهية الأمة التي يراد لها أن تنتخب الإمام ، هل المراد منها كل أفراد الأمة ، أو جماعة معيّنون يصطلح عليهم بأهل المشورة أو أهل الحل والعقد ؟ الأول باطل بالوجدان عندهم لأنه لم يعهد أنّ خليفة من الخلفاء كان قد انتخبه المسلمون جميعا في كل أقطار البلاد الإسلامية ، لذا عدّلوا به إلى المعنى الآخر وهو أن المراد من أفراد الأمة الذين يجب عليهم أن ينتخبوا هم أفراد معيّنون في كل بلد من بلدان المسلمين ، وهذا أيضا باطل لأنه تكليف بما لا يطاق ، إذ من أين للمسلمين أن يعرفوا الأفراد المعينين في كل بلد - وهم ما يصطلح عليهم بأهل الحل والعقد - ومن يعيّنهم ؟ وما السبيل إلى انتخاب الذين يعيّنون أهل الحل والعقد ؟ كل هذا خارج عن الوسع وهو الحرج المنفي بقوله تعالى : وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ « 1 » ولا حرج ولا تعجيز أكثر من التعرّف على إجماع فضلاء كل بلدان المسلمين ، فبطل هذا القول الفاسد ، ولو كان ممكنا لما لزم لأنه دعوى بلا برهان ، إذ لو كان كذلك لما لزم أحد القيام بقسط ، ولا تعاون على بر وتقوى ، إذ لا سبيل إلى اجتماع أهل الأرض على ذلك أبدا لتباعد أقطارهم ، ولو كان هذا هو المطلوب ، لكان أمر اللّه بالقيام بالقسط وبالتعاون على البر والتقوى باطلا فارغا ، وهذا خروج عن الإسلام وتفريغا له من مضمونه ، فسقط القول المذكور . ولكنّ الرأي الراجح والثابت عندهم هو أن المراد بأهل الحل والعقد هم جماعة معدودون يتواجدون في بلد الإمام ، وقد أشار إلى هذا المعنى الماوردي في الأحكام السلطانية .
--> ( 1 ) سورة الحج : 78 .