سيف الدين الآمدي

81

أبكار الأفكار في أصول الدين

وأما اكتفاء الجمع الكثير من قليل الطعام : فمن ذلك ما روى عن أم « 1 » سليم أنها كانت قد هيأت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقراصا من شعير ، وعليها قليل من السّمن ، وأنّها أرسلت أبا طلحة « 2 » وقالت له : أدع رسول الله ولا تدع معه أحدا ؛ فلما أتى وهو في جمع من الصحابة ، قال له النبي - صلى اللّه عليه وسلم - لعلك أرسلت إلينا فقال نعم ؛ فقال رسول الله - صلى اللّه عليه وسلم - للقوم انطلقوا بنا ، فانطلقوا معه وهم ثمانون رجلا ، ولم يزالوا يأكلون من ذلك / عشرة بعد عشرة حتى تحشوا شبعا إلى تمام الثمانين ، وروى أن المتخذ كان قرصا واحدا « 3 » . ومن هذا الباب ما روته عائشة « 4 » - رضي الله عنها - أن سائلا سأل النبي - صلى اللّه عليه وسلم -

--> ( 1 ) أم سليم بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام . أم أنس بن مالك رضي اللّه عنه بعد مقتل زوجها تزوجت من أبى طلحة رضي اللّه عنه ولزواجهما قصة يرويها أنس رضى اللّه عنه قال : خطب أبو طلحة أم سليم فقالت : ما مثلك يرد ؛ ولكن لا يحل أن أتزوجك وأنا مسلمة وأنت كافر ؛ فإن تسلم فذاك مهرى لا أسألك غيره ؛ فأسلم فتزوجها قال ثابت : فما سمعنا بمهر قط كان أكرم من مهر أم سليم : الإسلام . وعنه أن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - لم يكن يدخل بيتا بالمدينة غير بيت أم سليم إلا على أزواجه ؛ فقيل له : فقال : إني أرحمها قتل أخوها معي . - رضي الله عنهم - ( انظر ترجمة زوجها في نفس الهامش ) وللخريد انظر : صفة الصفوة للإمام ابن الجوزي 1 / 325 - 328 . ( 2 ) أبو طلحة : زيد بن سهل بن الأسود النجاري الأنصاري : صحابي جليل من الشجعان الرماة المعدودين في الجاهلية والإسلام . ولد بيثرب سنة 36 قبل الهجرة ، ولما ظهر الإسلام كان من كبار أنصاره فشهد العقبة وبدرا وأحدا والخندق وسائر المشاهد ، وكان جهير الصوت ، وفي الحديث : لصوت أبى طلحة في الجيش خير من ألف رجل ، وتوفى - رضي اللّه عنه - سنة 34 ه . ( صفة الصفوة لابن الجوزي 1 / 178 ، 179 والأعلام للزركلي 3 / 58 ، 59 ) . ( 3 ) الحديث متفق على صحته أخرجه البخاري ومسلم صحيحها : صحيح البخاري 6 / 678 كتاب المناقب باب علامات النبوة في الإسلام . ( ح رقم 3578 ) « حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك يقول " « قال أبو طلحة لأم سليم : لقد سمعت صوت رسول الله - صلى اللّه عليه وسلم - ضعيفا أعرف فيه الجوع ، فهل عندك من شيء ؟ قالت : نعم فأخرجت أقراصا من شعير . . . . فقال أبو طلحة يا أم سليم قد جاء رسول الله - صلى اللّه عليه وسلم - بالناس ، وليس عندنا ما نطعمهم فقالت : الله ورسوله أعلم . فانطلق أبو طلحة حتى لقى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فأقبل رسول الله - صلى اللّه عليه وسلم - وأبو طلحة معه فقال رسول الله - صلى اللّه عليه وسلم - هلمى يا أم سليم ما عندك ؟ فأتت بذلك الخبز ، فأمر به رسول الله - صلى اللّه عليه وسلم - ففتّ ، وعصرت أم سليم عكة فأدمته . ثم قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ما شاء الله أن يقول ، ثم قال : ائذن لعشرة فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ، ثم خرجوا ، ثم قال : ائذن لعشرة ، فإذن لهم . . . . والقوم سبعون أو ثمانون رجلا » . وأخرجه مسلم في صحيحه ( 3 / 1612 ح 2040 ) كتاب الأشربة . باب جواز استتباعه غيره إلى دار من يثق برضاه بذلك . . . واستحباب الاجتماع على الطعام ، حدثنا يحيى بن يحيى قال : قرأت على مالك بن أنس إلى آخر طريق البخاري ولفظه . كما أخرجه الإمام الترمذي في سننه كتاب المناقب 5 / 595 ح رقم 3630 وقال : هذا حديث حسن صحيح . ( 4 ) عائشة رضي الله عنها : عائشة بنت أبي بكر الصديق أم المؤمنين أفقه نساء المسلمين وأعلمهن بالدين ، تزوجها النبي - صلى اللّه عليه وسلم - في السنة الثانية بعد الهجرة ؛ فكانت أحب نسائه إليه ، وأكثرهن رواية للحديث عنه . وكان أكابر الصحابة يسألونها عن الفرائض فتجيبهم . وكان ( مسروق ) إذا روى عنها يقول : حدثتني الصديقة بنت الصديق روى عنها 2210 أحاديث . ولدت بمكة قبل الهجرة بتسعة أعوام وتوفيت بالمدينة المنورة سنة 58 ه ( صفة الصفوة لابن الجوزي 1 / 301 - 312 والأعلام للزركلي 3 / 240 ) .