سيف الدين الآمدي

371

أبكار الأفكار في أصول الدين

قولهم : يجب حمله على / حالة التوبة فهو خلاف الظاهر ، وما ذكروه من الدليل العقلي ؛ فقد أبطلناه « 1 » ، وما يذكرونه من الدليل السمعي ؛ فسيأتي إبطاله « 2 » . كيف وأنه يمتنع حمله على حالة التوبة عن الذنب لثلاثة أوجه : الأول : هو أن العفو ، والغفران حالة التوبة عندهم واجب ، وذلك مما يمتنع تعليقه بالمشيئة عرفا وعادة ، وإن كان واقعا بالمشيئة . والثاني : أنه فرق في الآية بين المعصية بالكفر ، وغيره حيث قال تعالى : لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ وفي حالة التوبة ، فالفرق غير متحقق لا محالة . الثالث : هو أن المراد من قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ إنما هو غفران التفضل ؛ لأن غفران التوبة واجب عندهم ، فلو كان قوله تعالى : وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ محمولا على حالة التوبة ؛ لكان الغفران واجبا ، لا تفضلا ، ولا يكون الكلام منتظما كما لو قال القائل : فلان لا يتفضل بدينار ، ولكنه يعطى ما دونه لمستحقه . وهذا بخلاف ما لو قال : فلان لا يتفضل بدينار ؛ لكنّه يتفضل بما دونه . قولهم : إنه مشروط بالمشيئة . قلنا : المشروط بالمشيئة نفس الغفران ، أو المغفور له . الأول ممنوع ، والثاني مسلم . ولهذا : فإنه لو قال القائل : إني معط هذا الدينار لمن شئت من هؤلاء الجماعة ، فإن إعطاء الدينار ، يكون مقطوعا به ، غير معلق بالمشيئة بخلاف المعطى . سلمنا أن المعلق بالمشيئة هو الغفران ؛ غير أن ذلك يدل على جوازه ، وإلا فلو كان ممتنعا لما كان للفرق بينه ، وبين الشرك معنى . قولهم : المغفرة قد تطلق بمعنى تأخير العقوبة ، وقد تطلق بمعنى إسقاط العقوبة . قلنا : الحمل على إسقاط العقوبة أولى ؛ لثلاثة أوجه :

--> ( 1 ) راجع ما سبق ل 228 / أو ما بعدها . ( 2 ) انظر ما سيأتي ل 230 / أو ما بعدها .