سيف الدين الآمدي

291

أبكار الأفكار في أصول الدين

ثم قالوا : لا شك أن سعادة كل شيء ، ولذته إنما هو بحصول ما له من الكمالات الممكنة له ، وذلك كحصول الإبصار للقوة الباصرة ، والسمع للقوة السامعة ، وكذلك في كل قوة بحسبها ، وكذلك شقاوة كل شيء وتألمه ؛ إنما هو بعدم ما له من الكمالات الممكنة له . فعلى هذا سعادة النفس الناطقة إنما هو فيما يحصل لها [ الكمالات الممكنة لها ] « 1 » ، وكمالها الخاص بها ، وهو مصيرها ، عالما عقليا منطبعا فيها صورة المعقولات ، وكذلك شقاوتها ، وتألبها : إنما هو بانتفاء كمالاتها عنها وعندئذ فالنفس الناطقة بعد مفارقة بدنها إما أن تكون قد استعدت لقبول كمالها أو لم تستعد . فإن كانت قد استعدت لكمالها وتنبهت له ومالت إليه باشراف العقل الفعال عليها ؛ فلها أحوال أربعة . الحالة الأولى : أن تكون قد حصلت شيئا من كمالاتها بالبحث عنه والتفكر فيه « 2 » وانسلخت عن عالم الضلال ، وتركت الاشتغال بالرزائل ، والاهتمام بالبدن وعلائقه ؛ فقد سعدت وحصلت لها اللذة ، والنعيم / الدائم . وعلى حسب زيادة حصول الكمال يكون زيادة الالتذاذ . وليس ما يحصل للنفس من اللذة بحصول كمالها ، كالتذاذ البهائم ، والحيوانات بمطاعمها ومشاربها « 3 » . فإن كان الالتذاذ بالشيء ، وزيادته على حسب كمال الملتذ به وبهائه ، وقوة الإدراك له ، ودوامه . ولا يخفى أن كمال النفس ، بالنسبة إلى سائر كمالات باقي القوى أشرف وأجلّ ، وأن إدراك النفس لما تدركه أعظم وأشدّ من إدراك غيرها لكماله من حيث إن إدراك ، النفس للماهية بخلاف إدراك غيرها من القوى . فإذن التذاذها أشد ، وسعادتها أكمل . ولا خفاء بأن ما يحصل لها من الالتذاذ بكمالها قبل مفارقة البدن بالنسبة إلى ما يحصل لها بعد مفارقته كنسبة الالتذاذ برائحة المطعوم إلى لذة آكله ، وذلك قدر يسير وإنما كان كذلك من حيث إن النفس قبل المفارقة مشغولة بالبدن وعلائقه ، والانغماس في الشهوات والرذائل .

--> ( 1 ) ساقط من أ . ( 2 ) ( والتفكر فيه ) ساقط من ب . ( 3 ) قارن بما ذكره ابن سينا في الإشارات 3 / 749 وما بعدها وبما ذكره الإمام الغزالي في تهافت الفلاسفة ص 283 وما بعدها وفي معارج القدس ص 127 .