سيف الدين الآمدي

292

أبكار الأفكار في أصول الدين

وكل ذلك فمضاد ومانع يمنعها من تمام الالتذاذ بحصول كمالها . فإذا زال ذلك المانع ، حصلت اللذة التامة ، والسعادة الدائمة التي لا يشاكلها شيء من أنواع الملاذ فيكون حالها بالنسبة إلى اللذتين كنسبة اللذة الحاصلة بأكل الشيء الحلو للمريض بالنسبة إلى لذة أكله بعد الصحة ، وزوال المانع . وهذه اللذة العظيمة وإن لم يدركها في حالة مقارنة البدن على ما هي عليه ولا يتشوقها غاية التشويق ؛ لكونها مشغولة بعوائق البدن ؛ لكنا نقطع بوجودها فحالنا بالنسبة إليها كحال الأكمه « 1 » بالنسبة إلى الالتذاذ برؤية الصور الجملية ، فإنه يقطع بها وإن لم يكن حاله في التشوّق إليها كحال من عرفها بالنظر إليها وكحال عنين بالنسبة إلى لذة الجماع ؛ لكن هذه اللذة العظيمة إنما هي لمن استكملت نفسه بالعلوم ، وحصلت لها كمالاتها في الدنيا « 2 » ، وكانت متجردة عن الأمور الدنيوية . الحالة الثانية : أن تكون قد حصلت ما لها من الكمالات في الدنيا ؛ لكنها مع ذلك ظالمة ، فاجرة ، مشتغلة بالرزائل ، والشهوات البهيمية ، فبعد المفارقة « 11 » / / وإن حصلت لها اللذة بما لها من كمالها ، فما استقر فيها من صور تلك الأمور الدنيوية ، يجذبها إلى الملأ الأسفل ، وما حصل في جوهرها من الكمالات ، يجذبها إلى الملأ الأعلى ، فيحصل لها بسبب هذا التجاذب والتضاد ، ألم عظيم ؛ لكنه لا يدوم ؛ لكون النفس كاملة في جوهرها وأن تلك الأمور الأخر عارضة ، والعارض قد يزول / على طول الزمان ، وعلى حسب رسوخ تلك الهيئات العارضة في النفس يكون بعد زوال هذا العذاب والألم ، وما مثل هذه النفس تسمى المؤمنة الفاسقة « 3 » . الحالة الثالثة : أن لا تكون النفس قد حصل لها شيء من الكمالات ؛ لكنها مع ذلك زكية طاهرة مشتغلة عن الرذائل ، والشهوات ، بالنسك والعبادات : كأنفس الزهاد والصلحاء من العامة ؛ فغير بعيد أن تنتقل نفوسهم بعد المفارقة إلى جرم فلكى يتخيل به صور ما كانت تسمعه في دار الدنيا من أنواع الملاذ من المأكولات ، والمشروبات ، والمنكوحات على نحو ما كانت تتخيل بالحواس الباطنة حالة المقارنة .

--> ( 1 ) قارن ما ذكره الآمدي عن الأكمه ، والعنين بما ذكره ابن سينا في الإشارات 3 / 762 ، والنجاة ص 292 . وبما ذكره الغزالي في معارج القدس ص 126 وما بعدها والمقصد الأسنى ص 26 . ( 2 ) قارن بما ورد في غاية المرام ص 269 ، وبما ورد في تهافت الفلاسفة للإمام الغزالي ص 283 . ( 11 ) / / أول ل 116 / ب . ( 3 ) راجع ما ورد في تهافت الفلاسفة ص 286 ، ومعارج القدس للإمام الغزالي ص 132 ، وقارن بما ورد في غاية المرام ص 270 .