سيف الدين الآمدي
81
أبكار الأفكار في أصول الدين
أو بالحواسّ الباطنة : كعلم الإنسان بلذّته وألمه ، والعلم بالأمور العاديّة : كعلمنا بأن الجبال المعهودة لنا ثابتة ، والبحار غير غائرة ، وكالعلم بالأمور التي لا سبب لها ولا يجد الإنسان نفسه خالية عنها : كالعلم بأنّه لا واسطة بين النّفى والإثبات ، وأن الضّدين لا يجتمعان ، وأن الكلّ أكثر من الجزء ونحوه . وربما خصّت هذه بالبديهيات . وإذا عرف معنى العلم الضّرورى ؛ فقد اختلف فيه : فقال قوم من المعتزلة : إنّ جميع العلوم الواقعة ضروريّة غير مقدورة للعباد . لكن من هؤلاء من قال : إن الجميع غير مقدور للعباد ، ولا يتوقف على نظر واستدلال . / ومنهم من قال : العلوم كلّها - وإن كانت غير مقدورة - فمنها : ما حصوله لا عن نظر ، ومنها : ما حصوله عن نظر ، لكن بعد تمام النّظر يقع العلم ضروريّا غير مقدور عليه . وقال قوم : العلوم المتعلقة بذات الله - تعالى - وصفاته والاعتقادات الصحيحة ضرورية غير نظريّة . وما عدا ذلك ؛ فلا يمتنع أن يكون نظريّا . « 1 » وقال بعض الجهميّة « 2 » : جميع العلوم نظريّة لا ضرورة فيها . وقال بعض المتأخرين « 3 » : ما كان من العلوم التّصورية ؛ فهي ضروريّة . وما كان من العلوم التّصديقيّة ؛ فمنقسمة إلى ضروري ، ونظري . والّذي عليه المحصّلون : أنه ليس كلّ علم ضروريّا ؛ إذ هو خلاف ما يجده كل عاقل من نفسه في المسائل المختلف فيها . كحدوث العالم ، ووجود الصّانع ، والجوهر الفرد وبقاء الأعراض . إلى غير ذلك .
--> ( 1 ) انظر شرح الأصول الخمسة ص 48 وما بعدها ؛ حيث يوضح القاضي عبد الجبار : العلم الضروري وآراء المعتزلة فيه . ( 2 ) الجهمية : أصحاب جهم بن صفوان . وهو من الجبريّة الخالصة ظهرت بدعته بترمذ وقتل في آخر عهد بنى أمية سنة 128 ه . وهو تلميذ الجعد بن درهم أول من ابتدع القول بخلق القرآن ، وتعطيل الله عن صفاته . والّذي توفى سنة 118 ه . ( الملل والنحل 1 / 86 ، الفرق بين الفرق 211 ) . ( 3 ) المقصود به الإمام الرازي . انظر المحصل ص 71 ، وشرح المواقف ص 43 .