ابو القاسم الكوفي

234

الاستغاثة في بدع الثلاثة

استبصر في هذا العصر في دينه وشغل نفسه بمعرفة بصيرته حتى علم من ذلك ما نجاه بتوفيق اللّه له ، فيما ينبغي له من الطلب أفضل من عشرة مستبصرة كانوا في ذلك العصر ، لقلت حقا ، ولكان صدقا ، إذا كان الحال على ما وصفت ، فيجب على هذه الصفة أن يكون مستبصرنا أفضل من مستبصرهم ، إذ كان البرهان قد قطع عذرهم ، والبيان قد أزاح علتهم بقرعه أسماعهم صباحا ومساء ، ومشاهدتهم إياه بأبصارهم من غير تكلف منهم في طلبه ، وذلك كله معدوم في عصرنا ، بل نشاهد من الجهل ونباشر من وجوه الباطل ما يضل فيه ذهن الحكيم ، ويطيش فيه قلب العليم ، ويذهل معه قلوبهم وتزول منه أفهامهم ، حتى يسعى الساعي منا دهرا طويلا يقطع المسافة البعيدة والبلدان النائية ، يتذلل للرجال ، ويخضع لكل صاحب مقال فاما ان يهلك ولم يدرك البغية ، وإما أن يمن اللّه عليه بالبصيرة بعد جهد جهيد ، وعناء شديد ، وتعب كديد ، بقية المستبصرين ، وحرب العارفين ، من أظهر ذلك الظالمين وكشفه المراعنين . فأي ظلم أم أي جور أبين من تفضيل أولئك بما وصفناه من حالهم وحالنا ، وجور من يوجب عذر أولئك فيما ارتكبوه دوننا ، وكم بين من استبصر في دينه ببصيرة يزول معها كل شك ، ويثبت معها كل يقين ، من بيان النبي ( صلّى اللّه عليه وآله وسلم ) المرسل ، وبرهان الكتاب المنزل ، وبين من استبصر في دينه باخبار متضادة ، وأقاويل مختلفة ، وبيان غير شاف ، وبرهان غير كاف ، حتى يطلب ويميز وينظر ويعتبر ويختبر سهر ليله ، وضمان نهاره ، وتعب بدنه ، وتصاغر نفسه ، وتذلل قدره ، فهل هذا إلا جور من قائله ، وظلم ظاهر من موجبه ، حقيق على اللّه أن يوجب لمستبصري أهل هذا العصر بما وصفناه من أحوالهم ، فلا يبعد اللّه إلا من ظلم وقال بما لا يعلم .