ابن قتيبة الدينوري
17
الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة
وقالوا في قوله عز وجل فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً « 1 » فجعلوا الإرادة في الهداية والاضلال للعبد لا لله وركبوا في ذلك أفحش غلط وأحول كلام ، والإرادة لا تجوز أن تكون للعبد وقد وليها اسم الله وهو مرفوع باجماع القراء ولو كان أحد منهم نصب الله لكان أقرب من المعنى الذي أراده وإن كان لا يجوز أيضا لأنه يضم في الكلام « من » فيكون معناه من يريد من الله ان يهديه يشرح صدره للاسلام ثم يحذف « من » وينصب الله لما نزع حرف الصلة كما يقال « من يسرق القوم ما لهم يقطع » اي يسرق من القوم ما لهم وهذا ليس يجوز الا مع حروف معدودة محكية عن العرب ولا نحمل عليها غيرها ونقيسه عليها . وقالوا في قوله تعالى وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ « 2 » دفعنا وألقينا واحتج من احتج منهم بقول المثقب العبدي حكاية عن ناقته : تقول إذا ذرأت لها وضيني * أهذا دينه أبدا وديني وهذا جهل باللغة وتصحيف وانما هو درأت بالدال غير المعجمة والله يقول وَلَقَدْ ذَرَأْنا بالذال وأحسبهم سمعوا بقول العرب « أذرته الدابة عن ظهرها » اي ألقته فتوهموا أن ذرأنا من ذلك ، ذرأنا في تقدير فعلنا غير مهموز ولو أريد ذلك المعنى لكان « ولقد أذرينا لجهنم » وسمعوا بقولهم ذرته الريح وبقول الله فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ « 3 » أي تنسفه وتلقيه فتوهموه منه ولو أريد ذلك لكان ولقد ذرونا لجهنم وليس يجوز ان يكون ذرأنا في هذا الموضع الا خلقنا كما قال ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ « 4 » وقال يَذْرَؤُكُمْ
--> ( 1 ) الأنعام 125 ( 2 ) الأعراف 179 ( 3 ) الكهف 18 ( 4 ) المؤمنون 79