ابن قتيبة الدينوري

16

الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة

شئت لأتيتك انه لم يشأ اتيانه ولو شئت لحججت انه لم يشأ الحج ولو شئت لتزوجت انه لم يشأ التزوج فكذلك يلزم في لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ انه لم يشأ ذلك ومثله أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً « 1 » و وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها « 2 » فان قال أراد لو شاء لآمنوا اجبارا ولكنه لم يشأ ان يجبرهم على ذلك قيل له لم يشأه على حال فاجعله بأي وجه شئت « 3 » وقيل والله يفعل بعباده ما هو أصلح لهم في كل حال عند هم فأي الأمرين كان أصلح لهم ؟ أن يجبرهم على الايمان فيؤمنوا أو يخليهم وشأنهم فيكفروا ؟ ! فهذا النظر ، وأما اللغة فإنه لا يجوز فيها أن يجعل الاذن العلم لأنه الأذن ، ألا ترى ان قائلا لو قال لك قد آذنتك بخروج الأمير ايذانا أي أعلمتك خروجه إعلاما ان جوابك كأن يقول له قد أذنت لقولك أذنا أي سمعته فعلمته والإيذان المأخوذ من الأذن انما هو ايقاع الخبر في الاذن والأذن استماعه وعلمه قال عدي بن زيد : أيّها القلب تعلّل بددن * إنّ همّي في سماع وأذن ومنه أذان الصلاة إنما هو إسماع الناس ذكرها حتى يعلموا وقول الله عز وجل وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ « 4 » أي اسماع وإعلام والاذن في الشيء أن تشاءه وتطلقه تقول « أذنت له في الخروج إذنا » هذا ما ليس به خفاء على من نظر في اللغة وفهمها .

--> ( 1 ) الرعد 31 ( 2 ) السجدة 13 ( 3 ) التعلل بمشيئة الله سبحانه في اجتراح السيئات شأن المشركين ومن على سبيلهم وقد رد الله عليهم بقوله سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا . . واتفقت كلمة أهل السنة على أنه لا حجة للعاصي في الاستناد في معصيته على مشيئة الله وان للعباد افعالا اختيارية بها يثابون وعليها يعاقبون وان مشيئة الله ليست بسالبة لاختيار هم وارادتهم ، والمسألة مفروغ منها في الكتب الكلامية بحثا وتمحيصا من جميع مناحيها فاكتفينا بهذه الإشارة . ( 4 ) التوبة 3