ابن قتيبة الدينوري
15
الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة
السامعين ويستميل قلوب الغافلين نظروا في كتاب الله فوجدوه ينقض ما قاسوا ويبطل ما أسسوا فطلبوا له التأويلات المستكرهة والمخارج البعيدة وجعلوه عويصا والغازا وان كانوا لم يقدروا من تلك الحيل على ما يصح في النظر ولا في اللغة كقولهم في يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ ينسبهم إلى الضلال وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ « 1 » ينسبهم إلى الهداية وما في نسبتهم إلى ذلك ؟ حتى يعيد ويبدي ولو أراد النسبة لقال يضللهم كما يقال يخونهم ويفسقهم ويظلمهم اي ينسبهم إلى ذلك . وقالوا في قوله عز وجل وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ « 2 » أي ما كان لها أن تؤمن الا بعلم الله وعلموا ما يلزمهم ان جعلوا الاذن هاهنا المشيئة والاطلاق وذهبوا إلى قول القائل « اذنتك بالأمر » اي أعلمتك وهذا من تأويلهم لا يصح في نظر ولا في لغة أما النظر فإنه لم يقل أحد من الناس ان شيئا يحدث في الأرض لا يعلمه الله فيقول وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ « 3 » وإنما اختلفوا في الاذن الذي هو المشيئة والاطلاق فقال المثبتون لم يشأ الله ان يؤمن جميع الناس ولو شاء لآمنوا فليس لنفس ان تؤمن حتى يشاء الله ذلك ويطلقه . وقال أهل القدر : قد شاء الله هذا لكل نفس وأطلقه فلها أن تؤمن إن شاءت وفي صدر هذا الكلام دليل على ما قال أهل الاثبات لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب إيمان قريش فأنزل الله عليه وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ثم قال على إثر ذلك وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ يريد بمشيئته وإطلاقه . فأول الكلام دليل على آخره والناس مجمعون لا يختلفون على أن القائل إذا قال لو
--> ( 1 ) إبراهيم 4 ثم فاطر 8 . ( 2 ) يونس 100 . ( 3 ) يونس 99 .