ابن قتيبة الدينوري
12
الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة
بالعلم إلا من رفعوا ولا يتضع فيه إلا من وضعوا ولا تسير الركبان إلا بذكر من ذكروا إلى أن كادهم الشيطان بمسألة لم يجعلها الله تعالى أصلا في الدين ولا فرعا في جهلها سعة وفي العلم بها فضيلة فنمى شرها وعظم شأنها حتى فرقت جماعتهم وشتتت كلمتهم ووهنت امرهم وأشمتت حاسديهم وكفت عدوهم مئونتهم بألسنتهم وعلى أيديهم فهو دائب يضحك منهم ويستهزئ بهم حين رأى بعضهم يكفر بعضا « 1 » وبعضهم يلعن بعضا ورآهم مختلفين وهم كالمتفقين ومتباينين وهم كالمجتمعين ورأى نفسه قد صار لهم سلما بعد ان كان حربا . ولما رأيت إعراض أهل النظر عن الكلام في هذا الشأن منذ وقع
--> ( 1 ) مع ما في هذا من تفكيك عرى المسلمين والوعيد الجسيم . ومما يؤسف له جد الأسف صدور مثل ذلك في هذا العهد وبعد هذا العهد ممن يعد نفسه من المنتمين إلى الحديث مع أن اوّل ما يجب ان يستفيده حامل الحديث من الحديث هو كرم الطبع ولين الجانب والتلطف بالمسلمين والابتعاد عن هجر القول والعجرفة بعدم الخوض فيما لا يعنيه كأنه عاش مع النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وعاشره وتربى بسيرته في ارشاد الأمة ، ومن أوغل في الباطل بفظاظة وغلظة وبذاءة فهو من اجهل خلق الله بسنة نبي الهدى صلى الله عليه وسلم وسيرته وأبعدهم من صدق الانتماء إليه ، والمصنف شاهد عيان فيما كان يجري في عصره من هذا القبيل ومن طالع كتاب السنة والجماعة لحرب السيرجاني وكتاب الجامع من مسائله ونقض عثمان بن سعيد السجزي والاستقامة لخشيش بن اصرم خلا كتاب خلق الأفعال المنسوب لأبي عبد الله البخاري وخلا كتاب السنة لعبد الله بن أحمد - وكلهم من رجال عهد المؤلف - يجد فيها من الروايات في الاكفار والتشدد في القول ما يسترشد به إلى مغزى كلام المصنف وإلى مبلغ فتك هذا الداء داء التنابز والتنابذ بأهل هذا العهد في مسائل يمكن ارجاع غالبها إلى نزاع لفظي وعلى تقدير عد النزاع حقيقيا ينقلب الأمر رأسا على عقب فيكون المبطل هو المتظاهر بأنه هو المحق . وقد يتأول بعضهم هذا الاسترسال في الاكفار بأنه من قبيل كفر دون كفر لا الكفر الناقل من الملة وفاته ان الوارد في الأثر من كفر دون كفر هو ما يكون من قبيل كفران العشير ونكران الجميل وظاهر عدم تمشي ذلك في أمثال هذه المواضع على أن بعضهم يصرح بأن مراده بالكفر الناقل فهذا يقطع قول كل خطيب وان كان الكفر الناقل متفاوت الدركات ، ثم من يرمي بالكفر الناقل وملؤه الايمان لا يمكن له ان يرى الرامي على صواب فيكفر أعاذنا الله من شر الاسترسال في التنابز والتنابذ .