أبي النصر محمد بن عبد الجبار العتبي

86

تاريخ اليميني ( تاريخ العتبي )

فحرّكتهم الحمية للانتقام من أولئك الرعاع والأغتام « 1 » ، وركبوا على سمت بكراباذ « 2 » لمجاهدتهم . وثار أولئك الأشقياء « 3 » إليهم متهافتين في الدمار ، تهافت الفراش في النار ، فلم ينشبوا أن حمل أهل العسكر عليهم حملة واحدة كشفتهم عن رؤوس بلا غلاصم « 4 » ، وأيد بلا معاصم ، ونفوس بلا عواصم . وفرشوا أرض ذلك الفضاء ، بجثث القتلى متشحطين في الدماء . وضربت الدور والحوانيت بالنفّاطات « 5 » ، وبسطت عليهم الأيدي بالغارات . فجرى عليهم ما لم يجر بعد يزيد بن المهلب « 6 » مثله نكاية رادعة ، وعقوبة وازعة قامعة « 7 » . وعندها أرسل مشايخ جرجان وصلحاؤها يطلبون الأمان ، ويناشدون الله والإيمان . فكفوا عن القتال ، وانكفئوا إلى الرحال ؛ فسكن نابض تلك الفتنة ، ووقع طائر الهيج واللوثة . واختلف العسكر في الاختيار ، فمال القواد وكبار [ 44 ب ] الغلمان الخاصة إلى خراسان ، واستحب الدارية « 8 » الانقطاع إلى فخر الدولة والاختصاص بخدمته . فكتب الصاحب إليهم أجمعين بالتوقف ريثما يلحق بهم الأستاذ أبو علي فيطلق لهم أموالهم ، ويحقق في الولايات وزيادة الإقامات آمالهم . فحفّزهم حب خراسان عن التوقف ،

--> ( 1 ) جمع أغتم وهو الرجل الأعجمي الذي لا يفصح شيئا . ابن منظور - لسان العرب ، مج 12 ، ص 433 ( غتم ) . ( 2 ) تنقسم جرجان إلى قسمين : شهرستان ( القصبة ) ، وبكراباذ . يفصلهما نهر هرند . انظر : الإصطخري - مسالك الممالك ، ص 212 ؛ Hudud al - Alam , P . 133 ؛ المقدسي - أحسن التقاسيم ، ص 358 ؛ مستوفي - نزهة القلوب ، ص 181 ؛ لسترنج - بلدان الخلافة ، ص 419 . ( 3 ) أهل البلد . ( 4 ) جمع غلصمة وهي رأس الحلقوم . ابن منظور - لسان العرب ، مج 12 ، ص 441 ( غلصم ) . ( 5 ) أدوات تعمل من النحاس يرمى فيها بالنفط والنار . ابن منظور - لسان العرب ، مج 7 ، ص 416 ( نفط ) . ( 6 ) أبو خالد يزيد بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي ( ت 102 ه ) . عنه ، انظر : ابن خلكان - وفيات الأعيان ، ج 6 ، ص 278 - 309 . ( 7 ) إشارة إلى ما فعله يزيد بن المهلب في فتحه لجرجان سنة 98 ه من إمعان في القتل . انظر : الطبري - تاريخ ، ج 6 ، ص 543 ؛ ابن أعثم - الفتوح ، ج 7 ، ص 293 ؛ مسكويه - تجارب الأمم ، ج 2 ، ص 362 . ( 8 ) أي الغلمان الدارية .