مؤلف مجهول
9
نهاية الارب في اخبار الفرس والعرب
حديث قصة « 1 » إدريس وذكر انه كان رجلا طويلا ، ضخم البطن عريض الصدر « 2 » ، قليل شعر الجسد طويل شعر الرأس ، وكانت احدى عينيه أعظم من الأخرى ، وكان في جسدة نكتة بياض من غير برص ؛ وهو أخنوخ بن مهلاييل بن قينان . وانما سمّي إدريس ، لكثرة دراسته لكتب « 3 » آدم وشيث . وكان أخنوخ اوّل نبيّ بعث من ولد آدم بعد شيث ؛ وكان عابدا مجتهدا ، يصعد له من العمل كلّ يوم مثل ما يصعد لساير ولد آدم ، لكثرة من كان فيهم من المشركين وعبدة الأوثان . فاحبّه ملك الموت حبّا شديدا ؛ فاستأذن الله له في مؤاخاته ؛ فاذن الله ، « عزّ وجلّ » له في ذلك ؛ فهبط عليه في صورة آدميّ مثله . فكان إدريس إذا افطر ، اتاه رزقه ؛ فيقول لملك الموت : ادن فكل معي ! فيقول ملك الموت : ما اشتهى شيئا ؛ فيأكل إدريس ، ويقومان جميعا إلى الصّلاة ؛ فيصيب إدريس الكلال والفتور ، وملك الموت لا يسأم ولا يفتر . فقال له إدريس : انّى أراك لا تأكل ولا تشرب ، ويصيبني الكلال ولا يصيبك ، ولو كنت انسيّا مثلي ، لاكلت وشربت ، وأصابك مثل ما يصيبني من الكلال والفتور . فاسالك بالذي قوّاك على هذا الامر الّا أخبرتني من أنت ؟ قال عليه السّلام : انا ملك الموت ، رأيت ما يصعد لك من الخير كلّ يوم فاستأذنت الله « عزّ وجلّ » في مؤاخاتك ، فاذن لي . فقال إدريس يا ملك الموت اني سائلك حاجة . قال : وما هي ؟ قال إدريس : تذيقنى الموت ساعة من نهاري ، فقد بلغني عنه كرب وشدة ، لأعرف كنه ذلك فيحدونى « 4 » على الاجتهاد والعبادة . قال ملك الموت : ذاك إلى ربّنا . فأوحى الله اليه : ان اقبض روح عبدي ساعة من نهار ؛ فقبض ملك الموت روح إدريس ساعة ، ثم سرّحها ، فرجعت إلى جسده . فقال له ملك الموت : كيف رايت غصص الموت وكربه ؟ قال : كما بلغني من شدّته . واني سائلك حاجة أخرى . قال : وما هي يا نبي الله ؟ قال : تدخلني جهنّم ؛ لانظر لما اعدّ الله فيها لأعدائه من : السّلاسل ، والاغلال ، والحميم ، وغير ذلك من أنواع العذاب ؛ ليكون اجهد لعبادتي . قال ملك الموت : يا نبيّ الله ، فذاك أيضا ليس لي . فأوحى الله « عزّ وجلّ » اليه : ان انطلق بعبدي على جناح من أجنحتك ، حتّى تستفتح بابا من أبواب جهنّم ، فتدخله إليها ليرى ما فيها : فبسط ملك الموت لإدريس جناحا بين أجنحته ، وحمله حتى انطلق به إلى النّار ؛ فانتهى به إلى باب من أبوابها ، فاستفتح . فقيل له : من هذا ؟ فقال : انا
--> ( 1 ) . تاريخ الأصمعي : في ذكر شيث ( 2 ) . ينظر : قصص الأنبياء لنعمة الله الجزائري ص 71 ( 3 ) . النّهاية : في الكتب الّتي أنزلت على آدم وشيث ( 4 ) . النّهاية : فيحثّني