مؤلف مجهول
8
نهاية الارب في اخبار الفرس والعرب
تكفوا مؤنة عدوّكم ؛ فهذه وصيتي لكم « 1 » وأدائي إليكم ، ولا حول ولا قوّة الّا باللّه العلّي العظيم . » فقام شيث بخلافة أبيه من بعده مائتي سنة واثنتي عشرة سنة . فقام من بعده بالخلافة ابنه انوش ثلاثمائة سنة . ثم تولّى الامر من بعد انوش ابنه قينان ؛ فجمع اليه ولد أبيه ، وتهيأ لمحاربة الجنّ ، لتمرّدهم عليه وعلى ولد أبيه . فلما تمّ لخلافته مائتان وخمسون سنة ، حضرته الوفاة ، فاستخلف ابنه مهلاييل ؛ فامتلأ منهم الحرم وما يليه من الأرضين ؛ فجمعهم مهلاييل ، وقسّم الدنيا على خمس فرق . فجعل اربع فرق منهم في مهبّ الريح الأربع ؛ ونواحيها : الشمال ، والجنوب ، والصّبا ، والدّبور ، وخص ولد شيث ، باخصب الأرضين ، وأفضلها ، وأكثرها خيرا ؛ فتوّجهوا إليها ، وبقي في الحرم الفرقة الخامسة . قال ابن الكلبي : « ولكلّ ريح من هذه الرياح الأربع ، حدّ معلوم ؛ لا يجاوزه إلى غيره . حد الجنوب : من المشرق إلى مطلع سهيل ، وحدّ الدّبور : من بنات نعش إلى مطلع سهيل ، وحدّ الصّبا : من المشرق إلى المجرّة وحد الشّمال : من المغرب إلى المجرّة ؛ فلا تدخل واحدة في حدّ الأخرى . ووجّه مهلاييل لكلّ فرقة من هذه الفرق الخمس ، رجلا من صالحي أهل ذلك العصر ؛ ليقيم لهم دينهم ، ويحملهم على شريعة أبيهم آدم ، ويتولّى الحكومة بينهم ، وتسميتهم : ودّ ويغوث ويعوق وسواع ونسرا « 2 » . فأقام كلّ رجل من هؤلاء النفر ، الذين وجههم مهلاييل ، مع الفرقة ؛ يقيم لهم دينهم ، ويعلّمهم شريعة آدم ، ويتولى الحكم بينهم ، والانصاف للمظلوم من الظالم . فكمث هؤلاء الّنفر الخمسة في الفرق الخمس ، ما شاء الله ان يمكثوا ، حتّى توفّى مهلاييل ، وتوفي الّنفر الخمس . فاستوحش النّاس لفقدهم ، وحزنوا لوفاتهم ، فاتخذوا تماثيل على صورهم من خشب السّاج ؛ فكانوا يسكنون إلى رؤيتهم ، ويتعزّون بالنظر إليهم ، حتّى مضى القرن وجاء قرن آخر ؛ فقالوا : لو عبدناهم ، لكانت عبادتنا ايّاهم تقّربا إلى الله ؛ فعبدوها ، وتمادوا في ذلك فكان هذا سبب عبادة الأصنام ؛ فلم يزل الناس يعبدونها ، حتّى بعث الله ، « عزّ وجلّ » نوحا . قال الله تبارك تعالى في كتابه في صفة نوح وقال : ( لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ ، وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً ، وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً )
--> ( 1 ) . النهاية : وصايتي ( 2 ) . ينظر : معجم البلدان : م 5 ص 367