ابن الأثير

45

الكامل في التاريخ

كلّ يوم ليشغلهم عن قتال من بعكّا من المسلمين ، فكانوا يقاتلون الطائفتين ولا يسأمون . ذكر إحراق الأبراج ووقعة الأسطول كان الفرنج ، في مدّة مقامهم على عكّا ، قد عملوا ثلاثة أبراج من الخشب عالية جدّا ، طول كلّ برج منها في السماء ستّون ذراعا ، وعملوا كلّ برج منها خمس طبقات ، كلّ طبقة مملوءة من المقاتلة ، وقد جمعوا [ 1 ] أخشابها من الجزائر ، فإنّ مثل هذه الأبراج العظيمة لا يصلح لها من الخشب إلّا القليل النادر ، وغشّوها بالجلود والخلّ والطين والأدوية التي تمنع النار من إحراقها ، وأصلحوا الطرق لها ، وقدّموها نحو مدينة عكّا من ثلاث جهات ، وزحفوا بها في العشرين من ربيع الأوّل ، فأشرفت على السور ، وقاتل من بها من عليه ، فانكشفوا ، وشرعوا في طمّ خندقها ، فأشرف البلد على أن يملك عنوة وقهرا . فأرسل أهله إلى صلاح الدين إنسانا سبح في البحر ، فأعلمه ما هم فيه من الضيق ، وما قد أشرفوا عليه من أخذهم وقتلهم ، فركب هو وعساكره وتقدّموا إلى الفرنج وقاتلوهم [ 2 ] من جميع جهاتهم قتالا عظيما دائما يشغلهم عن مكاثرة البلد ، فافترق الفرنج فرقتين : فرقة تقاتل صلاح الدين ، وفرقة تقاتل أهل عكّا ، إلّا أنّ الأمر قد خفّ عمّن بالبلد ، ودام القتال ثمانية أيّام متتابعة ، آخرها الثامن والعشرون [ 3 ] من الشهر ، وسئم الفريقان القتال ، وملّوا منه لملازمته

--> [ 1 ] جمع . [ 2 ] وقاتلهم . [ 3 ] والعشرين .