ابن الأثير

46

الكامل في التاريخ

ليلا ونهارا ، والمسلمون قد تيقّنوا استيلاء الفرنج على البلد ، لما رأوا من عجز من فيه عن دفع الأبراج ، فإنّهم لم يتركوا حيلة إلّا وعملوها ، فلم يفد ذلك ولم يغن عنهم شيئا ، وتابعوا رمي النفط الطيار عليها ، فلم يؤثر فيها ، فأيقنوا بالبوار والهلاك ، فأتاهم اللَّه بنصر من عنده وإذن في إحراق الأبراج . وكان سبب ذلك أنّ إنسانا من أهل دمشق كان مولعا بجمع آلات النفّاطين ، وتحصيل عقاقير تقوي عمل النار ، فكان من يعرفه يلومه على ذلك وينكره عليه ، وهو يقول : هذه حالة لا أباشرها بنفسي إنّما أشتهي معرفتها ، وكان بعكّا لأمر يريده اللَّه ، فلمّا رأى الأبراج قد نصبت على عكّا شرع في عمل ما يعرفه من الأدوية القوية للنار ، بحيث لا يمنعها شيء من الطين والخلّ وغيرهما ، فلمّا فرغ منها حضر عند الأمير قراقوش ، وهو متولّي الأمور بعكّا والحاكم فيها ، وقال له : تأمر المنجنيقيّ أن يرمي في المنجنيق المحاذي لبرج من هذه الأبراج ما أعطيه حتّى أحرقه . وكان عند قراقوش من الغيظ والخوف على البلد ومن فيه ما يكاد يقتله ، فازداد غيظا بقوله وحرد عليه ، فقال له : قد بالغ أهل هذه الصناعة في الرمي بالنفط وغيره فلم يفلحوا ، فقال له من حضر : لعلّ اللَّه تعالى قد جعل الفرج على يد هذا ، ولا يضرّنا أن نوافقه على قوله ، فأجابه إلى ذلك ، وأمر المنجنيقيّ بامتثال أمره ، فرمى عدّة قدور نفطا وأدوية ليس فيها نار ، فكان الفرنج إذا رأوا القدر لا يحرق شيئا يصيحون ، ويرقصون ، ويلعبون على سطح البرج ، حتّى إذا علم أنّ الّذي ألقاه قد تمكّن من البرج ، ألقى قدرا مملوءة وجعل فيها النار فاشتعل البرج ، وألقى قدرا ثانية وثالثة ، فاضطرمت النار في نواحي البرج ، وأعجلت من في طبقاته الخمس عن الهرب والخلاص ، فاحترق هو ومن فيه ، وكان فيه من الزرديات والسلاح شيء كثير . وكان طمع الفرنج بما رأوا أنّ القدور الأولى لا تعمل شيئا يحملهم على