ابن الأثير
443
الكامل في التاريخ
ومنها أنّ العادة كانت ببغداد أنّ الحارس بكلّ درب يبكر ، ويكتب مطالعة إلى الخليفة بما تجدّد في دربه من اجتماع بعض الأصدقاء ببعض على نزهة ، أو سماع ، أو غير ذلك ، ويكتب ما سوى ذلك من صغير وكبير ، فكان الناس من هذا في حجر عظيم ، فلمّا ولي هذا الخليفة ، جزاه اللَّه خيرا ، أتته المطالعات على العادة ، فأمر بقطعها ، وقال : أيّ غرض لنا في معرفة أحوال الناس في بيوتهم ؟ فلا يكتب أحد إلينا إلّا ما يتعلّق بمصالح دولتنا ، فقيل له : إنّ العامّة تفسد بذلك ، ويعظم شرّها ، فقال : نحن ندعو اللَّه أن يصلحهم . ومنها أنّه لمّا ولي الخلافة وصل صاحب الديوان من واسط ، وكان قد سار إليها أيّام الناصر لتحصيل الأموال ، فأصعد ، ومعه من المال ما يزيد على مائة ألف دينار ، وكتب مطالعة تتضمّن ذكر ما معه ، ويستخرج الأمر في حمله ، فأعاد الجواب بأن يعاد إلى أربابه ، فلا حاجة لنا إليه ، فأعيد عليهم . ومنها أنّه أخرج كلّ من كان في السجون ، وأمر بإعادة ما أخذ منهم ، وأرسل إلى القاضي عشرة آلاف دينار ليعطيها عن كل من هو محبوس في حبس الشرع وليس له مال . ومن حسن نيّته للناس أنّ الأسعار في الموصل وديار الجزيرة كانت غالية ، فرخصت الأسعار ، وأطلق حمل الأطعمة إليها ، وأن يبيع كلّ من أراد البيع للغلّة ، فحمل منها الكثير الّذي لا يحصى ، فقيل له : إنّ السعر قد غلا شيئا ، والمصلحة المنع منه ، فقال : أولئك مسلمون ، وهؤلاء مسلمون ، وكما يجب علينا النظر في أمر هؤلاء كذلك يجب علينا النظر لأولئك . وأمر أن يباع من الأهواء التي له طعام أرخص ممّا يبيع غيره ، ففعلوا ذلك ، فرخصت الأسعار عندهم أيضا أكثر ممّا كانت أوّلا ، وكان السعر في الموصل ، لمّا ولي ، كلّ مكّوك بدينار وثلاثة قراريط ، فصار كلّ أربعة مكاكيك بدينار في أيّام قليلة ، وكذلك باقي الأشياء من التمر ، والدبس ،