ابن الأثير

38

الكامل في التاريخ

الصابرين في مواطن الحرب ، ولم يبق بين أيديهم في القلب من يردّهم ، فقصدوا التلّ الّذي عليه خيمة صلاح الدين ، فقتلوا من مرّوا به ، ونهبوا ، وقتلوا عند خيمة صلاح الدين جماعة ، منهم شيخنا جمال الدين أبو عليّ بن رواحة الحمويّ ، وهو من أهل العلم ، وله شعر حسن ، وما ورث الشهادة من بعيد ، فإنّ جدّه عبد اللَّه بن رواحة ، صاحب رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، قتله الروم يوم مؤتة ، وهذا قتله الفرنج يوم عكّا ، وقتلوا غيره ، وانحدروا إلى الجانب الآخر من التلّ ، فوضعوا السيف فيمن لقوة ، وكان من لطف اللَّه تعالى بالمسلمين أنّ الفرنج لم يلقوا خيمة صلاح الدين ، ولو لقوها [ 1 ] لعلم الناس وصولهم إليها ، وانهزام العساكر بين أيديهم ، فكانوا انهزموا أجمعون [ 2 ] . ثمّ إنّ الفرنج نظروا وراءهم ، فرأوا أمدادهم قد انقطعت عنهم ، فرجعوا خوفا أن ينقطعوا عن أصحابهم ، وكان سبب انقطاعهم أنّ الميمنة وقفت مقابلتهم ، فاحتاج بعضهم [ أن ] يقف مقابلها ، وحملت ميسرة المسلمين على الفرنج ، فاشتغل المدد بقتال من بها عن الاتّصال بأصحابهم ، وعادوا إلى طرف خنادقهم ، فحملت الميسرة على الفرنج الواصلين إلى خيمة صلاح الدين ، فصادفوهم وهم راجعون ، فقاتلوهم ، وثار بهم غلمان العسكر . وكان صلاح الدين لمّا انهزم القلب قد تبعهم يناديهم ، ويأمرهم بالكرّة ، ومعاودة القتال ، فاجتمع معه منهم جماعة صالحة ، فحمل بهم على الفرنج من وراء ظهورهم وهم مشغولون بقتال الميسرة ، فأخذتهم سيوف اللَّه من كلّ جانب ، فلم يفلت منهم أحد ، بل قتل أكثرهم ، وأخذ الباقون أسرى ، وفي جملة من أسر مقدّم الداويّة الّذي كان قد أسره صلاح الدين وأطلقه ، فلمّا

--> [ 1 ] ألقوها . [ 2 ] أجمعين .