ابن الأثير
39
الكامل في التاريخ
ظفر به الآن قتله . وكانت عدّة القتلى ، سوى من كان إلى جانب البحر ، نحو عشرة آلاف قتيل ، فأمر بهم ، فألقوا في النهر الّذي يشرب الفرنج منه ، وكان عامّة القتلى من فرسان الفرنج ، فإنّ الرجّالة لم يلحقوهم ، وكان في جملة الأسرى ثلاث نسوة فرنجيات كنّ يقاتلن على الخيل ، فلمّا أسرن ، وألقي عنهنّ السلاح عرفن أنّهنّ نساء . وأمّا المنهزمون من المسلمين ، فمنهم من رجع من طبريّة ، ومنهم من جاز الأردن وعاد ، ومنهم من بلغ دمشق ، ولولا أنّ العساكر تفرّقت في الهزيمة لكانوا بلغوا من الفرنج [ من ] الاستئصال ، والإهلاك ، مرادهم ، على أنّ الباقين بذلوا جهدهم ، وجدّوا في القتال وصمّموا على الدخول مع الفرنج إلى معسكرهم لعلّهم يفزعون منهم ، فجاءهم الصريخ بأنّ رحالهم وأموالهم قد نهبت ، وكان سبب هذا النهب أنّ الناس لمّا رأوا الهزيمة حملوا أثقالهم على الدوابّ ، فثار بهم أوباش العسكر وغلمانه ، فنهبوه وأتوا عليه ، وكان في عزم صلاح الدين أن يباكرهم القتال والزحف ، فرأى اشتغال الناس بما ذهب من أموالهم ، وهم يسعون في جمعها وتحصيلها ، فأمر بالنداء بإحضار ما أخذ ، فأحضر منه ما ملأ الأرض من المفارش ، والعيب المملوءة والثياب والسلاح وغير ذلك ، فردّ الجميع على أصحابه ، ففاته ذلك اليوم ما أراد ، فسكن روع الفرنج ، وأصلحوا شأن الباقين منهم . ذكر رحيل صلاح الدين عن الفرنج وتمكّنهم من حصر عكّا لمّا قتل من الفرنج ذلك العدد الكثير ، جافت الأرض من نتن ريحهم ، وفسد الهواء والجوّ ، وحدث للأمزجة فساد ، وانحرف مزاج صلاح الدين ،