ابن الأثير

378

الكامل في التاريخ

يصلح لهم ، وما لا يصلح لهم أحرقوه ، واختفى بعض الناس منهم ، فكانوا يأخذون الأسارى ويقولون لهم : نادوا في الدروب أنّ التتر قد رحلوا . فإذا نادى أولئك خرج من اختفى فيؤخذ ويقتل . وبلغني أنّ امرأة من التتر دخلت دارا وقتلت جماعة من أهلها وهم يظنّونها رجلا ، فوضعت السلاح وإذا هي امرأة ، فقتلها رجل أخذته أسيرا ، وسمعت من بعض أهلها أنّ رجلا من التتر دخل دربا فيه مائة رجل ، فما زال يقتلهم واحدا واحدا حتّى أفناهم ، ولم يمدّ أحد يده إليه بسوء ، ووضعت الذلّة على الناس فلا يدفعون عن نفوسهم قليلا ولا كثيرا ، نعوذ باللَّه من الخذلان . ثمّ رحلوا عنها نحو مدينة إربل ، ووصل الخبر إلينا بذلك بالموصل ، فخفنا ، حتّى إنّ بعض الناس همّ بالجلاء خوفا من السيف ، وجاءت كتب مظفّر الدين ، صاحب إربل ، إلى بدر الدين ، صاحب الموصل ، يطلب منه نجدة من العساكر ، فسيّر إليه جمعا صالحا من عسكره ، وأراد أن يمضي إلى طرف بلاده من جهة التتر ، ويحفظ المضايق لئلّا يجوزها أحد ، فإنّها جميعها جبال وعرة ومضايق لا يقدر [ أن ] يجوزها إلّا الفارس بعد الفارس ، ويمنعهم من الجواز إليه . ووصلت كتب الخليفة ورسله إلى الموصل وإلى مظفّر الدين يأمر الجميع بالاجتماع مع عساكره بمدينة دقوقا ليمنعوا التتر ، فإنّهم ربّما عدلوا عن جبال إربل ، لصعوبتها ، إلى هذه الناحية ، ويطرقون العراق ، فسار مظفّر الدين من إربل في صفر ، وسار إليهم جمع من عسكر الموصل ، وتبعهم من المتطوّعة كثير . وأرسل الخليفة أيضا إلى الملك الأشرف يأمره بالحضور بنفسه في عساكره ليجتمع الجميع على قصد التتر وقتالهم ، فاتّفق أنّ الملك المعظّم ابن الملك العادل وصل من دمشق إلى أخيه الأشرف وهو بحرّان يستنجده على الفرنج الذين