ابن الأثير
367
الكامل في التاريخ
أيدي سبا ، وتمزّقوا كلّ ممزّق ، واقتسموا النساء أيضا ، وأصبحت بخارى خاوية على عروشها كأن لم تغن بالأمس ، وارتكبوا من النساء العظيم ، والناس ينظرون ويبكون ، ولا يستطيعون أن يدفعوا عن أنفسهم شيئا ممّا نزل بهم ، فمنهم من لم يرض بذلك ، واختار الموت على ذلك ، فقاتل حتّى قتل ، وممّن فعل ذلك واختار أن يقتل ولا يرى ما نزل بالمسلمين ، الفقيه الإمام ركن الدين إمام زاده وولده ، فإنّهما لمّا رأيا ما يفعل بالحرم قاتلا حتّى قتلا . وكذلك فعل القاضي صدر الدين خان ، ومن استسلم أخذ أسيرا ، وألقوا النار في البلد ، والمدارس ، والمساجد ، وعذبوا الناس بأنواع العذاب في طلب المال ، ثمّ رحلوا نحو سمرقند وقد تحقّقوا عجز خوارزم شاه عنهم ، وهم بمكانه بين ترمذ وبلخ ، واستصحبوا معهم من سلم من أهل بخارى أسارى ، فساروا بهم مشاة على أقبح صورة ، فكلّ من أعيا وعجز عن المشي قتلوه ، فلمّا قاربوا سمرقند قدّموا الخيالة ، وتركوا الرّجّالة والأسارى والأثقال وراءهم ، حتّى تقدّموا شيئا فشيئا ، ليكون أرعب لقلوب المسلمين ، فلمّا رأى أهل البلد سوادهم استعظموه . فلمّا كان اليوم الثاني وصل الأسارى والرّجّالة والأثقال ، ومع كلّ عشرة من الأسارى علم ، فظنّ أهل البلد أنّ الجميع عساكر مقاتلة ، وأحاطوا بالبلد وفيه خمسون ألف مقاتل من الخوارزميّة ، وأمّا عامّة البلد فلا يحصون كثرة ، فخرج إليهم شجعان أهله ، وأهل الجلد والقوّة رجّالة ، ولم يخرج معهم من العسكر الخوارزميّ أحد لما في قلوبهم من خوف هؤلاء الملاعين ، فقاتلهم الرّجّالة بظاهر البلد ، فلم يزل التتر يتأخّرون ، وأهل البلد يتبعونهم ، ويطمعون فيهم ، وكان الكفّار قد كمّنوا لهم كمينا ، فلمّا جاوزوا الكمين خرج عليهم وحال بينهم وبين البلد ، ورجع الباقون الذين أنشبوا القتال أولا ، فبقوا في الوسط ، وأخذهم السيف من كلّ جانب ، فلم يسلم منهم