ابن الأثير

336

الكامل في التاريخ

فوصل الخبر إلى بدر الدين ليلا فجدّ في الأمر ، ونادى في العسكر لوقته بالرحيل ، فساروا مجدين إلى العماديّة وبها زنكي ليحصروه فيها ، فلم يطلع الصبح إلّا وقد فرغ من تسيير العساكر ، فساروا إلى العماديّة وحصروها ، وكان الزمان شتاء ، والبرد شديد ، والثلج هناك كثير ، فلم يتمكّنوا من قتال من بها ، لكنّهم أقاموا يحصرونها ، وقام مظفّر الدين كوكبري بن زين الدين ، صاحب إربل ، في نصر عماد الدين ، وتجرّد لمساعدته ، فراسله بدر الدين يذكّره الأيمان والعهود التي من جملتها أنّه لا يتعرّض إلى شيء من أعمال الموصل ، ومنها قلاع الهكّاريّة والزوزان بأسمائها ، ومتى تعرّض إليها أحد من الناس ، من كان ، منعه بنفسه وعساكره ، وأعان نور الدين وبدر الدين على منعه ، ويطالبه بالوفاء بها . ثمّ نزل عن هذا ، ورضي منه بالسكوت لا لهم ولا عليهم ، فلم يفعل ، وأظهر معاضدة عماد الدين زنكي ، فحينئذ لم يمكن مكاثرة زنكي بالرجال والعساكر لقرب هذا الخصم من الموصل وأعمالها ، إلّا أنّ العسكر البدريّ محاصر للعماديّة وبها زنكي . ثمّ إنّ بعض الأمراء من عسكر الموصل ، ممّن لا علم له بالحرب ، وكان شجاعا وهو جديد الإمارة أراد أن يظهر شجاعته ليزداد بها تقدّما ، أشار على من هناك من العسكر بالتقدّم إليها ومباشرتها بالقتال ، وكانوا قد تأخّروا عنها شيئا يسيرا لشدّة البرد والثلج ، فلم يوافقوه ، وقبّحوا رأيه ، فتركهم ورحل متقدّما إليهم ليلا ، فاضطرّوا إلى اتّباعه خوفا عليه من أذى يصيبه ومن معه ، فساروا إليه على غير تعبئة لضيق المسلك ، ولأنّه أعجلهم عن ذلك ، وحكم الثلج عليهم أيضا . فسمع زنكي ومن معه ، فنزلوا ، ولقوا أوائل الناس ، وأهل مكّة أخبر بشعابها ، فلم يثبتوا لهم ، وانهزموا وعادوا إلى منزلتهم ، ولم يقف العسكر