ابن الأثير

10

الكامل في التاريخ

عزم أهل هذا الأسطول على أخذ من يخرج منها من أهلها غيظا وحنقا ، حيث سلّموها سريعا ، فسمع بذلك أهل لاذقيّة ، فأقاموا ، وبذلوا الجزية ، وكان سبب مقامهم . ثمّ إنّ مقدّم هذا الأسطول طلب من السلطان الأمان ليحضر عنده ، فأمّنه ، وحضر [ وقبّل ] الأرض بين يديه ، وقال ما معناه : إنَّك سلطان رحيم وكريم ، وقد فعلت بالفرنج ما فعلت فذلّوا ، فاتركهم يكونون مماليكك وجندك تفتح بهم البلاد والممالك ، وتردّ عليهم بلادهم ، وإلّا جاءك من البحر ما لا طاقة لك به ، فيعظم عليك الأمر ويشتدّ الحال . فأجابه صلاح الدين بنحو من كلامه من إظهار القوّة والاستهانة بكلّ من يجيء من البحر ، وأنّهم إن خرجوا أذاقهم ما أذاق أصحابهم من القتل والأسر ، فصلّب على وجهه ، ورجع إلى أصحابه . ذكر فتح صهيون وعدّة من الحصون ثمّ رحل صلاح الدين عن لاذقيّة في السابع والعشرين من جمادى الأولى ، وقصد قلعة صهيون ، وهي قلعة منيعة شاهقة في الهواء ، صعبة المرتقى ، على قرنة جبل ، يطيف بها واد عميق ، فيه ضيق في بعض المواضع ، بحيث إن حجر المنجنيق يصل منه إلى الحصن ، إلّا أنّ الجبل متّصل بها من جهة الشمال ، وقد عملوا لها خندقا عميقا لا يرى قعره ، وخمسة أسوار منيعة ، فنزل صلاح الدين على هذا الجبل الملتصق بها ، ونصب عليه المجانيق ورماها ، وتقدّم إلى ولده الظاهر ، صاحب حلب ، فنزل على المكان الضيق من الوادي ، ونصب عليه المجانيق أيضاً ، فرمى الحصن منه .