ابن الأثير
69
الكامل في التاريخ
الجزيرة تعرفه الحادثة ، وتطلب منه أن يقصد دمشق ويطلب بثأر ولدها . فلما وقف على هذه الرسالة بادر في الحال من غير توقف ولا تريث ، وسار مجدا ليجعل ذلك طريقا إلى ملك البلد ، وعبر الفرات [ 1 ] عازما على قصد دمشق ، فاحتاط من بها ، واستعدوا ، واستكثروا من الذخائر ، ولم يتركوا شيئا مما يحتاجون إليه إلا وبذلوا الجهد في تحصيله ، وأقاموا ينتظرون وصوله إليهم ، فتركهم وسار إلى بعلبكّ . وقيل : كان السبب في ملكها أنها كانت لمعين الدين أنز ، كما ذكرناه ، وكان له جارية يهواها ، فلما تزوج أم جمال الدين سيرها إلى بعلبكّ ، فلما سار زنكي إلى الشام عازما على قصد دمشق سير إلى أنز يبذل له البذول العظيمة ليسلم إليه دمشق ، فلم يفعل . وسار أتابك إلى بعلبكّ فوصل إليها في العشرين من ذي الحجة من السنة فنازلها في عساكره ، وضيق عليها ، وجد في محاربتها ، ونصب عليها من المنجنيقات أربعة عشر عددا ترمي ليلا ونهارا ، فأشرف من بها على الهلاك ، وطلبوا الأمان ، وسلموا إليه المدينة ، وبقيت القلعة وبها جماعة من شجعان الأتراك ، فقاتلهم ، فلما أيسوا من معين ونصير طلبوا الأمان فأمنهم ، فسلموا إليه القلعة ، فلما نزلوا منها وملكها غدر بهم وأمر بصلبهم فصلبوا ولم ينج منهم إلا القليل ، فاستقبح الناس ذلك من فعله واستعظموه ، وخافه غيرهم وحذروه لا سيما أهل دمشق فإنّهم قالوا : لو ملكنا لفعل بنا مثل فعله بهؤلاء ، فازدادوا نفورا وجدا في محاربته . ولما ملك زنكي بعلبكّ أخذ الجارية التي كانت لمعين الدين أنز بها ، فتزوجها بحلب ، فلم تزل بها إلى أن قتل ، فسيرها ابنه نور الدين محمود إلى
--> [ 1 ] - الفراة .