ابن الأثير

559

الكامل في التاريخ

ذكر الفتنة بعرفات وقتل ابن المقدّم في هذه السنة ، يوم عرفة ، قتل شمس الدين محمّد بن عبد الملك المعروف بابن المقدّم بعرفات ، وهو أكبر الأمراء الصلاحيّة ، وقد تقدّم من ذكره ما فيه كفاية . وسبب قتله أنّه لمّا فتح المسلمون البيت المقدّس طلب إذنا من صلاح الدين ليحجّ ويحرم من القدس ، ويجمع في سنّه بين الجهاد والحجّ وزيارة الخليل ، عليه السلام ، وما [ 1 ] بالشام من مشاهد الأنبياء ، وبين زيارة رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، أجمعين ، فأذن له . وكان قد اجتمع تلك السنة من الحجّاج بالشام الخلق العظيم من البلاد : العراق ، والموصل ، وديار بكر ، والجزيرة ، وخلاط ، وبلاد الروم ومصر وغيرها ، ليجمعوا بين زيارة البيت المقدّس ومكّة ، فجعل ابن المقدّم أميرا عليهم فساروا حتى وصلوا إلى عرفات سالمين ، ووقفوا في تلك المشاعر ، وأدّوا الواجب والسنّة . فلمّا كان عشيّة عرفة تجهّز هو وأصحابه ليسيروا من عرفات ، فأمر بضرب كوساته التي هي أمارة الرحيل ، فضربها أصحابه ، فأرسل إليه أمير الحاجّ العراقيّ ، وهو مجير الدين طاش تكين ، ينهاه عن الإفاضة من عرفات قبله ، ويأمره بكفّ أصحابه عن ضرب كوساته ، فأرسل إليه : إنّي ليس لي معك تعلّق ، أنت أمير الحاجّ العراقيّ ، وأنا أمير الحاجّ الشاميّ ، وكلّ منّا يفعل ما يراه ويختاره ، وسار ولم يقف ، ولم يسمع قوله ، فلمّا رأى طاش تكين إصراره على مخالفته ركب في أصحابه وأجناده ، وتبعه من غوغاء الحاجّ العراقيّ وبطّاطيهم ، وطمّاعتهم ، العالم الكثير ، والجمّ الغفير ، وقصدوا

--> [ 1 ] - ومن .