ابن الأثير
551
الكامل في التاريخ
الفرنج الذين فيه ، ولم يسلّموه ، فلم يطلق ولدها ، ولكنه أطلق مالها ومن تبعها . وخرج البطرك الكبير الّذي للفرنج ، ومعه من أموال البيع منها : الصخرة والأقصى ، وقمامة وغيرها ، ما لا يعلمه إلّا اللَّه تعالى ، وكان له من المال مثل ذلك ، فلم يعرض له صلاح الدين ، فقيل له ليأخذ ما معه يقوّي به المسلمين ، فقال : لا أغدر به ، ولم يأخذ منه غير عشرة دنانير ، وسيّر الجميع ومعهم من يحميهم إلى مدينة صور . وكان على رأس قبّة الصخرة صليب كبير مذهّب . فلمّا دخل المسلمون البلد يوم الجمعة تسلّق جماعة منهم إلى أعلى القبّة ليقلعوا [ 1 ] الصليب ، فلمّا فعلوا وسقط صاح النّاس كلّهم صوتا واحدا من البلد ومن ظاهره المسلمون والفرنج : أمّا المسلمون فكبّروا فرحا ، وأمّا الفرنج فصاحوا تفجّعا وتوجّعا ، فسمع النّاس ضجّة كادت الأرض أن تميد بهم لعظمها وشدّتها . فلمّا ملك البلد وفارقه الكفّار أمر صلاح الدين بإعادة الأبنية إلى حالها القديم ، فإنّ الداويّة بنوا غربيّ الأقصى أبنية ليسكنوها ، وعملوا فيها ما يحتاجون إليه من هري ومستراح وغير ذلك ، وأدخلوا بعض الأقصى في أبنيتهم فأعيد إلى الأوّل ، وأمر بتطهير المسجد والصخرة من الأقذار والأنجاس ، ففعل ذلك أجمع . ولمّا كان الجمعة الأخرى ، رابع شعبان ، صلّى المسلمون فيه الجمعة ، ومعهم صلاح الدين ، وصلّى في قبّة الصخرة ، وكان الخطيب والإمام محيي الدين بن الزكي ، قاضي دمشق ، ثمّ رتّب فيه صلاح الدين خطيبا وإماما برسم الصلوات الخمس ، وأمر أن يعمل له منبر ، فقيل له : إنّ نور الدين محمودا كان قد عمل بحلب منبرا أمر الصنّاع بالمبالغة في تحسينه وإتقانه ، وقال : هذا
--> [ 1 ] - ليقلعون