ابن الأثير

552

الكامل في التاريخ

قد عملناه لينصب بالبيت المقدّس ، فعمله النجّارون في عدّة سنين لم يعمل في الإسلام مثله ، فأمر بإحضاره ، فحمل من حلب ونصب بالقدس ، وكان بين عمل المنبر وحمله ما يزيد على عشرين سنة ، وكان هذا من كرامات نور الدين وحسن مقاصده ، رحمه اللَّه . ولمّا فرغ صلاح الدين من صلاة الجمعة تقدّم بعمارة المسجد الأقصى واستنفاد الوسع في تحسينه وترصيفه ، وتدقيق نقوشه ، فأحضروا من الرخام الّذي لا يوجد مثله ، ومن الفصّ المذهّب القسطنطينيّ وغير ذلك ممّا يحتاجون إليه ، قد ادّخر على طول السنين ، فشرعوا في عمارته ، ومحوا ما كان في تلك الأبنية من الصور ، وكان الفرنج فرشوا الرخام فوق الصخرة وغيّبوها ، فأمر « 1 » بكشفها . وكان سبب تغطيتها بالفرش أنّ القسيسين باعوا كثيرا منها للفرنج الواردين إليهم من داخل البحر للزيارة ، فكانوا يشترونه بوزنه ذهبا رجاء بركتها ، وكان أحدهم إذ دخل إلى بلاده باليسير منها بنى له الكنيسة ، ويجعل في مذبحها ، فخاف بعض ملوكهم أن تفنى ، فأمر بها ففرش فوقها حفظا لها ، فلمّا كشفت نقل إليها صلاح الدين المصاحف الحسنة ، والربعات الجيّدة ، ورتّب القرّاء ، وأدرّ عليهم الوظائف الكثيرة ، فعاد الإسلام هناك غضّا طريّا ، وهذه المكرمة من فتح البيت المقدّس لم يفعلها بعد عمر بن الخطّاب ، رضي اللَّه عنه ، غير صلاح الدين ، رحمه اللَّه ، وكفاه ذلك فخرا وشرفا . وأمّا الفرنج من أهله فإنّهم أقاموا ، وشرعوا في بيع ما لا يمكنهم حمله من أمتعتهم وذخائرهم وأموالهم ، وما لا يطيقون حمله ، وباعوا ذلك بأرخص الثمن ، فاشتراه التجار من أهل العسكر ، واشتراه النصارى من أهل القدس الذين ليسوا من الفرنج ، فإنّهم طلبوا من صلاح الدين أن يمكنهم من المقام في

--> ( 1 ) - الصخرة وغطوها فأمر . A