ابن الأثير
549
الكامل في التاريخ
أموالنا وأمتعتنا ، ولا نترككم تغنمون منها دينارا واحدا ولا درهما ، ولا تسبون وتأسرون رجلا ولا امرأة ، وإذا فرغنا من ذلك أخرجنا الصخرة والمسجد الأقصى وغيرهما من المواضع ، ثمّ نقتل من عندنا من أسارى المسلمين ، وهم خمسة آلاف أسير ، ولا نترك لنا دابّة ولا حيوانا إلّا قتلناه ثمّ خرجنا إليكم كلّنا فقاتلناكم قتال من يريد [ أن ] يحمي دمه ونفسه ، وحينئذ لا يقتل الرجل حتى يقتل أمثاله ، ونموت أعزاء أو نظفر كراما . فاستشار صلاح الدين أصحابه ، فأجمعوا على إجابتهم إلى الأمان ، وأن لا يخرجوا ويحملوا على ركوب ما لا يدري عاقبة الأمر فيه عن أيّ شيء تنجلي ، ونحسب أنّهم أسارى بأيدينا ، فنبيعهم نفوسهم بما يستقرّ بيننا وبينهم ، فأجاب صلاح الدين حينئذ إلى بذل الأمان للفرنج ، فاستقرّ أن يزن الرجل عشرة دنانير يستوي فيه الغني والفقير ، ويزن الطفل من الذكور والبنات دينارين ، وتزن المرأة خمسة دنانير ، فمن أدّى ذلك إلى أربعين يوما فقد نجا ، ومن انقضت الأربعون يوما عنه ولم يؤدّ ما عليه فقد صار مملوكا ، فبذل باليان بن بيرزان عن الفقراء ثلاثين ألف دينار ، فأجيب إلى ذلك . وسلّمت المدينة يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب ، وكان يوما مشهودا ، ورفعت الأعلام الإسلاميّة على أسوارها ، ورتّب صلاح الدين على أبواب البلد ، في كلّ باب ، أمينا من الأمراء ليأخذوا من أهله ما استقرّ عليهم ، فاستعملوا الخيانة ، ولم يؤدّوا فيه أمانة ، واقتسم الأمناء الأموال ، وتفرّقت أيدي سبا ، ولو أدّيت فيه الأمانة لملأ الخزائن ، وعمّ النّاس ، فإنّه كان فيه على الضبط ستّون [ 1 ] ألف رجل ما بين فارس وراجل سوى من يتبعهم من النساء والولدان ، ولا يعجب السامع من ذلك ، فإنّ البلد كبير ، واجتمع إليه من تلك النواحي من عسقلان وغيرها ، والداروم ، والرملة ،
--> [ 1 ] - ستّين .