ابن الأثير
485
الكامل في التاريخ
عمر ، فاختلفت آراؤهم ، فقال له مظفّر الدين كوكبري بن زين الدين : لا ينبغي أن يبدأ بغير الموصل ، فإنّها في أيدينا لا مانع لها ، فإنّ عزّ الدين ومجاهد الدين متى سمعا بمسيرنا إليها تركاها وسارا عنها إلى بعض القلاع الجبليّة . ووافقه ناصر الدين محمّد بن عمّه شيركوه ، وكان قد بذل لصلاح الدين مالا كثيرا ليقطعه الموصل إذا ملكها ، وقد أجابه صلاح الدين إلى ذلك ، فأشار بهذا الرأي لهواه ، فسار صلاح الدين إلى الموصل ، وكان عزّ الدين صاحبها ومجاهد الدين قد جمعا بالموصل العساكر الكثيرة ما بين فارس وراجل ، وأظهرا من السلاح وآلات الحصار ما حارت له الأبصار ، وبذلا الأموال الكثيرة ، وأخرج مجاهد الدين من ماله كثيرا ، واصطلى الأمور بنفسه ، فأحسن تدبيرها ، وشحنوا ما بقي بأيديهم من البلاد ، كالجزيرة وسنجار وإربل وغيرها من البلاد ، بالرجال والسلاح والأموال . وسار صلاح الدين حتى قارب الموصل وترك عسكره ، وانفرد هو ومظفّر الدين وابن عمّه ناصر الدين بن شيركوه ، ومعهما نفر من أعيان دولته ، وقربوا من البلد ، فلمّا قربوا رآه وحقّقه ، فرأى ما هاله وملأ صدره وصدور أصحابه ، فإنّه رأى بلدا عظيما كبيرا ، ورأى السور والفصيل قد ملئا من الرجال ، وليس فيه شرّافة إلّا وعليها رجل يقاتل سوى من عليه من عامّة البلد المتفرّجين ، فلمّا رأى ذلك علم أنّه لا يقدر على أخذه ، وأنّه يعود خائبا ، فقال لناصر الدين ابن عمّه : إذا رجعنا إلى المعسكر فاحمل ما بذلت من المال فنحن معك على القول . فقال ناصر الدين : قد رجعت عمّا بذلت من المال ، فإنّ هذا البلد لا يرام . فقال له ولمظفّر الدين : غررتماني وأطمعتماني في غير مطمع ، ولو قصدت غيره قبله لكان أسهل أخذا بالاسم والهيبة التي حصلت لنا ، ومتى نازلناه ، وعدنا منه ، ينكسر ناموسنا ويفلّ حدّنا وشوكتنا .