ابن الأثير

486

الكامل في التاريخ

ثمّ رجع إلى معسكره وصبّح البلد ، وكان نزوله عليه في رجب ، فنازله وضايقه ، ونزل محاذي باب كندة ، وأنزل صاحب الحصن بباب الجسر ، وأنزل أخاه تاج الملوك عند الباب العماديّ ، وأنشب القتال ، فلم يظفر ، وخرج إليه يوما بعض العامّة ، فنالوا منه ، ولم يمكّن عزّ الدين ومجاهد الدين أحدا من العسكر [ أن ] يخرجوا لقتال بل ألزموا الأسوار ، ثمّ إن تقي الدين أشار على عمّه صلاح الدين بنصب منجنيق ، فقال : مثل هذا البلد لا ينصب عليه منجنيق ، ومتى نصبناه أخذوه ، ولو خرّبنا برجا وبدنة من يقدر على الدخول للبلد وفيه هذا الخلق الكثير ؟ فألحّ تقي الدين وقال : نجرّبهم به ، فنصب منجنيقا ، فنصب عليه من البلد تسعة مجانيق ، وخرج جماعة من العامّة فأخذوه وجرى عنده قتال كثير ، فأخذ بعض العامّة لالكة من رجليه ، فيها المسامير الكثيرة ، ورمى بها أميرا يقال له جاولي الأسديّ ، مقدّم الأسديّة وكبيرهم ، فأصاب صدره ، فوجد لذلك ألما شديدا ، وأخذ اللالكة وعاد عن القتال إلى صلاح الدين وقال : قد قاتلنا أهل الموصل بحماقات ما رأينا بعد مثلها ، وألقى اللالكة ، وحلف أنّه لا يعود يقاتل عليها أنفة حيث ضرب بهذه . ثمّ إن صلاح الدين رحل من قرب البلد ، ونزل متأخّرا ، خوفا من البيات ، فإنّه لقربه كان لا يأمن ذلك ، وكان سببه أيضا أنّ مجاهد الدين أخرج في بعض الليالي جماعة من باب السرّ الّذي للقلعة ، ومعهم المشاعل ، فكان أحدهم يخرج من الباب وينزل إلى دجلة ، ممّا يلي عين الكبريت ، ويطفئ المشعل ، فرأى العسكر النّاس يخرجون ، فلم يشكّوا في الكبسة ، فحملهم ذلك على الرحيل والتأخّر ليتعذّر البيات على أهل الموصل . وكان صدر الدين شيخ الشيوخ ، رحمه اللَّه ، قد وصل إليه ، قبل نزوله على الموصل ، ومعه بشير الخادم ، وهو من خواصّ الخليفة الناصر لدين اللَّه ، في الصلح ، فأقاما معه على الموصل ، وتردّدت الرسل إلى عزّ الدين ومجاهد