ابن الأثير
402
الكامل في التاريخ
ذكر وفاة نور الدين محمود بن زنكي ، رحمه اللَّه في هذه السنة توفّي نور الدين محمود بن زنكي بن آقسنقر ، صاحب الشام وديار الجزيرة ومصر ، يوم الأربعاء حادي عشر شوّال ، بعلّة الخوانيق ، ودفن بقلعة دمشق ، ونقل منها إلى المدرسة التي أنشأها بدمشق ، عند سوق الخوّاصين . ومن عجيب الاتّفاق أنّه ركب ثاني شوّال وإلى جانبه بعض الأمراء الأخيار ، فقال له الأمير : سبحان من يعلم هل نجتمع هنا في العام المقبل أم لا ؟ فقال نور الدين : لا تقل هكذا ، بل سبحان من يعلم هل نجتمع بعد شهر أم لا ؟ فمات نور الدين ، رحمه اللَّه ، بعد أحد عشر يوما ، ومات الأمير قبل الحول ، فأخذ كلّ منهما بما قاله . وكان قد شرع يتجهّز للدخول إلى مصر لأخذها من صلاح الدين يوسف ابن أيّوب ، فإنّه رأى منه فتورا في غزو الفرنج من ناحيته ، وكان يعلم أنّه إنّما يمنع صلاح الدين من الغزو الخوف منه ومن الاجتماع به ، فإنّه يؤثر كون الفرنج في الطريق ليمتنع بهم على نور الدين ، فأرسل إلى الموصل وديار الجزيرة وديار بكر يطلب العساكر للغزاة ، وكان عزمه أن يتركها مع ابن أخيه سيف الدين غازي ، صاحب الموصل بالشّام ، ويسير هو بعساكره إلى مصر ، فبينما هو يتجهّز لذلك أتاه أمر اللَّه الّذي لا مردّ له . حكى لي طبيب يعرف بالطبيب الرحبيّ وهو كان يخدم نور الدين ، وهو من حذّاق الأطباء ، قال : استدعاني نور الدين في مرضه الّذي توفّي فيه مع غيري من الأطباء ، فدخلنا إليه وهو في بيت صغير بقلعة دمشق ، وقد تمكّنت الخوانيق منه ، وقارب الهلاك ، فلا يكاد يسمع صوته ، وكان يخلو فيه للتعبّد ، فابتدأ به المرض ، فلم ينتقل عنه ، فلمّا دخلنا ورأينا ما به قلت له :