ابن الأثير

403

الكامل في التاريخ

كان ينبغي أن لا تؤخّر إحضارنا إلى أن يشتدّ بك المرض الآن ، وينبغي أن تعجل الانتقال من هذا الموضع إلى مكان فسيح مضيء ، فله أثر في هذا المرض . وشرعنا في علاجه ، وأشرنا بالفصد ، فقال : ابن ستّين لا يفتصد ، وامتنع منه ، فعالجناه بغيره ، فلم ينجع فيه الدواء ، وعظم الداء ، ومات ، رحمه اللَّه ورضي عنه . وكان أسمر ، طويل القامة ، ليس له لحية إلّا في حنكه ، وكان واسع الجبهة ، حسن الصورة ، حلو العينين ، وكان قد اتّسع ملكه جدّا ، وخطب له بالحرمين الشريفين وباليمن لمّا دخلها شمس الدولة بن أيّوب وملكها ، وكان مولده سنة إحدى عشرة وخمسمائة ، وطبّق ذكره الأرض بحسن سيرته وعدله . وقد طالعت سير الملوك المتقدّمين ، فلم أر فيها بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز أحسن من سيرته ، ولا أكثر تحريا منه للعدل . وقد أتينا على كثير من ذلك في كتاب الباهر من أخبار دولتهم ، ولنذكر هاهنا نبذة مختصرة لعلّ يقف عليها من له حكم فيقتدي به ، فمن ذلك زهده وعبادته وعلمه ، فإنّه كان لا يأكل ولا يلبس [ ولا يتصرّف ] « 1 » في الّذي يخصّه [ إلّا ] « 2 » من ملك كان له قد اشتراه من سهمه من الغنيمة ومن الأموال المرصدة لصالح المسلمين ، ولقد شكت إليه زوجته من الضائقة ، فأعطاها ثلاث دكاكين في حمص كانت له ، منها يحصل له في السنة نحو عشرين دينارا ، فلمّا استقلّتها قال : ليس لي إلّا هذا ، وجميع ما بيدي أنا فيه خازن للمسلمين لا أخونهم فيه ، ولا أخوض نار جهنّم لأجلك . وكان يصلّي كثيرا باللّيل ، وله فيه أوراد حسنة ، وكان كما قيل : جمع الشّجاعة والخشوع لربّه * ما أحسن المحراب في المحراب .

--> ( 1 ) te . P . C ( 2 ) te . P . C