ابن الأثير
302
الكامل في التاريخ
يقصد بلادهم ليعودوا عن مصر ، فأرسل إلى أخيه قطب الدين مودود ، صاحب الموصل وديار الجزيرة ، وإلى فخر الدين قرا أرسلان ، صاحب حصن كيفا ، وإلى نجم الدين ألبي ، صاحب ماردين ، وغيرهم من أصحاب الأطراف يستنجدهم ، فأمّا قطب الدين فإنّه جمع عسكره وسار مجدّا ، وفي مقدمته زين الدين عليّ أمير جيشه ، وأمّا فخر الدين ، صاحب الحصن ، فبلغني عنه أنّه قال له ندماؤه وخواصّه : على أيّ شيء عزمت ؟ فقال : على القعود ، فإن نور الدين قد تحشّف من كثرة الصوم والصلاة ، وهو يلقي نفسه والناس معه في المهالك ، فكلّهم وافقه على هذا الرأي ، فلمّا كان الغد أمر بالتجهّز للغزاة ، فقال له أولئك : ما عدا ممّا بدا ؟ فارقناك أمس على حالة ، فنرى اليوم ضدّها ؟ فقال : إنّ نور الدين قد سلك معي طريقا إن لم أنجده خرج أهل بلادي عن طاعتي ، وأخرجوا البلاد عن يدي ، فإنّه قد كاتب زهّادها وعبّادها والمنقطعين عن الدنيا ، يذكر لهم ما لقي المسلمون من الفرنج ، وما نالهم من القتل والأسر ، ويستمدّ منهم الدعاء ، ويطلب أن يحثّوا المسلمين على الغزاة ، فقد قعد كلّ واحد من أولئك ، ومعه أصحابه وأتباعه ، وهم يقرءون كتب نور الدين ، ويبكون ويلعنوني ، ويدعون عليّ ، فلا بدّ من المسير إليه ، ثمّ تجهّز وسار بنفسه . وأمّا نجم الدين فإنّه سيّر عسكرا ، فلمّا اجتمعت العساكر سار نحو حارم فحصرها ونصب عليها المجانيق وتابع الزحف إليها ، فاجتمع من بقي بالساحل من الفرنج ، فجاءوا في حدّهم وحديدهم ، وملوكهم وفرسانهم ، وقسّيسيهم ورهبانهم ، وأقبلوا إليه من كلّ حدب ينسلون ، وكان المقدّم عليهم البرنس بيمند ، صاحب أنطاكية ، وقمص ، صاحب طرابلس وأعمالها ، وابن جوسلين ، وهو من مشاهير الفرنج ، والدوك ، وهو مقدّم كبير من الروم ، وجمعوا الفارس والراجل ، فلمّا قاربوه رحل عن حارم إلى أرتاح طمعا أن يتبعوه فيتمكّن منهم لبعدهم عن بلادهم إذا لقوة ، فساروا ، فنزلوا على