ابن الأثير
246
الكامل في التاريخ
الإسلام ، فإن المشركين قد استفحل أمرهم بالأندلس ، واستولوا على كثير من البلاد التي كانت بأيدي المسلمين ، وما يقاتلهم أحد مثلكم ، فبكم فتحت البلاد أوّل الإسلام ، وبكم يدفع عنها العدوّ الآن ، ونريد منكم عشرة آلاف فارس من أهل النجدة والشجاعة يجاهدون في سبيل اللَّه . فأجابوا بالسمع والطاعة ، فحلّفهم على ذلك باللَّه تعالى ، وبالمصحف ، فحلفوا ، ومشوا معه إلى مضيق جبل زغوان . وكان منهم إنسان يقال له يوسف بن مالك ، وهو من أمرائهم ورؤوس القبائل فيها ، فجاء إلى عبد المؤمن باللّيل وقال له سرّا : إنّ العرب قد كرهت المسير إلى الأندلس ، وقالوا : ما غرضه إلّا إخراجنا من بلادنا ، وإنّهم لا يفون بما حلفوا عليه ، فقال : يأخذ اللَّه ، عزّ وجلّ ، الغادر . فلمّا كانت اللّيلة الثانية هربوا إلى عشائرهم ، ودخلوا البرّ ، ولم يبق منهم إلّا يوسف بن مالك ، فسمّاه عبد المؤمن يوسف الصادق . ولم يحدث عبد المؤمن في أمرهم شيئا ، وسار مغرّبا يحثّ السير حتى قرب من القسنطينة ، فنزل في موضع مخصب يقال له : وادي النساء ، والفصل ربيع ، والكلأ مستحسن ، فأقام به وضبط الطرق ، فلا يسير من العسكر أحد البتّة ، ودام ذلك عشرين يوما ، فبقي النّاس في جميع البلاد لا يعرفون لهذا العسكر خبرا مع كثرته وعظمه ، ويقولون : ما أزعجه إلّا خبر وصله من الأندلس ، فحثّ لأجله السير ، فعادت العرب الذين جفلوا منه من البرّيّة إلى البلاد لمّا أمنوا جانبه ، وسكنوا البلاد التي ألفوها ، واستقرّوا في البلاد . فلمّا علم عبد المؤمن برجوعهم جهّز إليهم ولديه أبا محمّد وأبا عبد اللَّه في ثلاثين ألف مقاتل من أعيان الموحّدين وشجعانهم ، فجدّوا السير ، وقطعوا المفاوز ، فما شعر العرب إلّا والجيش قد أقبل بغتة من ورائهم ، من جهة