ابن الأثير
247
الكامل في التاريخ
الصحراء ، ليمنعوهم الدخول إليها إن راموا ذلك . وكانوا قد نزلوا جنوبا من القيروان عند جبل يقال له جبل القرن ، وهم زهاء ثمانين ألف بيت ، والمشاهير من مقدّميهم : أبو محفوظ محرز بن زيّاد ، ومسعود بن زمام ، وجبارة بن كامل وغيرهم ، فلمّا أطلّت عساكر عبد المؤمن عليهم اضطربوا ، واختلفت كلمتهم ، ففرّ مسعود وجبارة بن كامل ومن معهما من عشائرهما ، وثبت محرز بن زيّاد ، وأمرهم بالثبات والقتال ، فلم يلتفتوا إليه ، فثبت هو ومن معه من جمهور العرب ، فناجزهم الموحّدون القتال في العشر الأوسط من ربيع الآخر من السنة ، وثبت الجمعان ، واشتدّ العراك بينهم وكثر القتل ، فاتّفق أنّ محرز بن زيّاد قتل ، ورفع رأسه على رمح ، فانهزمت جموع العرب عند ذلك ، وأسلموا البيوت والحريم والأولاد والأموال ، وحمل جميع ذلك إلى عبد المؤمن وهو بذلك المنزل ، فأمر بحفظ النساء العربيات الصرائح ، وحملهنّ معه تحت الحفظ والبرّ والصيانة إلى بلاد الغرب ، وفعل معهنّ مثل ما فعل في حريم الأبثج . ثمّ أقبلت إليه وفود رياح مهاجرين في طلب حريمهم كما فعل الأبثج ، فأجمل الصنيع لهم ، وردّ الحريم إليهم ، فلم يبق منهم أحد إلّا صار عنده ، وتحت حكمه ، وهو يخفض لهم الجناح ويبذل فيهم الإحسان ، ثمّ إنّه جهّزهم إلى ثغور الأندلس على الشرط الأوّل ، وجمعت عظام العرب المقتولين في هذه المعركة عند جبل القرن ، فبقيت دهرا طويلا كالتلّ العظيم يلوح للناظرين من مكان بعيد ، وبقيت إفريقية مع نوّاب عبد المؤمن آمنة ساكنة لم يبق فيها من أمراء العرب خارجا عن طاعته إلّا مسعود بن زمام ، وطائفته في أطراف البلاد .