ابن الأثير
86
الكامل في التاريخ
كلّهم ، ونهب ناحيتي مصر ، وأحرق كثيرا منهما [ 1 ] ، فسيّر إليه المستنصر عسكرا فكبسوه ، فانهزم منهم ومضى هاربا ، فجمع جمعا ، وعاد إليهم فقاتلهم فهزمهم ، وقطع خطبة المستنصر بالإسكندريّة ودمياط ، وكانا معه ، وكذلك جميع الريف ، وأرسل إلى الخليفة ببغداذ يطلب خلعا ليخطب له بمصر . واضمحلّ أمر المستنصر ، وبطل ذكره ، وتفرّق الناس من القاهرة ، وأرسل ناصر الدولة إليه أيضا يطلب المال ، فرآه الرسول جالسا على حصير ، وليس حوله غير ثلاثة خدم ، ولم ير الرسول شيئا من آثار المملكة ، فلمّا أدّى الرسالة قال : أما يكفي ناصر الدولة أن أجلس في مثل هذا البيت على مثل هذا الحصير ؟ فبكى الرسول ، وعاد إلى ناصر الدولة فأخبره الخبر ، فأجرى له كلّ يوم مائة دينار ، وعاد إلى القاهرة ، وحكم فيها ، وأذلّ السلطان وأصحابه « 1 » . وكان الّذي حمله على ذلك أنّه كان يظهر التسنّن من بين أهله ، ويعيب المستنصر ، وكان المغاربة كذلك فأعانوه على ما أراد ، وقبض على أمّ المستنصر ، وصادرها بخمسين ألف دينار ، وتفرّق عن المستنصر أولاده وكثير من أهله إلى الغرب ، وغيره [ 2 ] من البلاد ، فمات كثير منهم جوعا . وانقضت سنة أربع وستّين [ وأربعمائة ] وما قبلها بالفتن . وانحطّ السعر سنة خمس وستّين ، ورخصت الأسعار ، وبالغ ناصر الدولة في إهانة المستنصر ، وفرّق عنه عامّة أصحابه ، وكان يقول لأحدهم : إنّني أريد أن أولّيك عمل كذا ، فيسير إليه ، فلا يمكّنه من العمل ويمنعه من العود ، وكان غرضه بذلك
--> [ 1 ] كثير منها . [ 2 ] وغيرها . ( 1 ) . وأهانه . A