ابن الأثير

84

الكامل في التاريخ

وعظم أمر ناصر الدولة ، وقويت شوكته ، وتفرّد بالأمر دون الأتراك ، فامتنعوا من ذلك ، وعظم عليهم ، وفسدت نيّاتهم له ، فشكوا ذلك إلى الوزير ، وقالوا : كلّما خرج من الخليفة مال أخذ أكثره له ولحاشيته ، ولا يصل إلينا منه إلّا القليل . فقال الوزير : إنّما وصل إلى هذا وغيره بكم ، فلو فارقتموه لم يتمّ له أمر . فاتّفق رأيهم على مفارقة ناصر الدولة ، وإخراجه من مصر ، فاجتمعوا ، وشكوا إلى المستنصر ، وسألوه أن يخرج عنهم ناصر الدولة ، فأرسل إليه يأمره بالخروج ، ويتهدّده إن لم يفعل ، فخرج من القاهرة إلى الجيزة ، ونهبت داره ودور حواشيه وأصحابه . فلمّا كان الليل دخل ناصر الدولة مستخفيا إلى القائد المعروف بتاج الملوك شاذي ، فقبّل رجله ، وقال : اصطنعني ! فقال : أفعل ، فحالفه على قتل مقدّم من الأتراك اسمه الدكز ، والوزير الخطير ، وقال ناصر الدولة لشاذي : تركب في أصحابك ، وتسير بين القصرين ، فإذا أمكنتك الفرصة فيهما [ 1 ] فاقتلهما . وعاد ناصر الدولة إلى موضعه إلى الجيزة . وفعل شاذي ما أمره ، فركب الدكز إلى القصر ، فرأى شاذي في جمعه ، فأنكره ، وأسرع فدخل القصر ، ففاته ، ثم أقبل الوزير في موكبه ، فقتله شاذي ، وأرسل إلى ناصر الدولة يأمره بالركوب ، فركب إلى باب القاهرة ، فقال الدكز للمستنصر : إن لم تركب ، وإلّا هلكت أنت ونحن . فركب ، ولبس سلاحه ، وتبعه خلق عظيم من العامّة والجند ، واصطفّوا للقتال ، فحمل الأتراك على ناصر الدولة فانهزم ، وقتل من أصحابه خلق كثير ، ومضى منهزما على وجهه لا يلوي على شيء ، وتبعه فلّ أصحابه ، فوصل إلى بني سنبس ، فأقام عندهم وصاهرهم فقوي بهم . وتجهزّت العساكر إليه ليبعدوه ، فساروا حتّى قربوا منه ، وكانوا ثلاث

--> [ 1 ] فيها .