ابن الأثير
663
الكامل في التاريخ
فلمّا علم الفرنج بذلك جمعوا فارسهم وراجلهم ، وعلموا أنّ هذه وقعة لها ما بعدها ، فحشدوا وجمعوا ، ولم يتركوا من طاقتهم شيئا إلّا استنفدوه ، فلمّا فرغوا من أمرهم ساروا نحوه ، فاستشار أصحابه فيما يفعل ، وكلّ أشار بالعود عن الحصن ، فإن لقاء الفرنج في بلادهم خطر لا يدرى على أيّ شيء تكون العاقبة . فقال لهم : إنّ الفرنج متى رأونا قد عدنا من أيديهم طمعوا وساروا في أثرنا ، وخربوا بلادنا ، ولا بدّ من لقائهم على كلّ حال . ثم ترك الحصن وتقدّم إليهم ، فالتقوا ، واصطفّوا للقتال ، وصبر كلّ فريق لخصمه ، واشتدّ الأمر بينهم ، ثم إن اللَّه تعالى أنزل نصره على المسلمين ، فظفروا ، وانهزم الفرنج أقبح هزيمة ، ووقع كثير من فرسانهم في الأسر ، وقتل منهم خلق كثير ، وتقدّم عماد الدين إلى عسكره بالإنجاز ، وقال : هذا أوّل مصافّ عملناه معهم ، فلنذقهم من بأسنا ما يبقى رعبه في قلوبهم ، ففعلوا ما أمرهم ، ولقد اجتزت [ 1 ] بتلك الأرض سنة أربع وثمانين وخمسمائة ليلا ، فقيل لي : إنّ كثيرا من العظام باق إلى ذلك الوقت . فلمّا فرغ المسلمون من ظفرهم عادوا إلى الحصن فتسلّموه عنوة ، وقتلوا وأسروا كلّ من فيه ، وأخربه عماد الدين ، وجعله دكّا ، وبقي إلى الآن خرابا ، ثم سار منه إلى قلعة حارم ، وهي بالقرب من أنطاكية ، فحصرها ، وهي أيضا للفرنج ، فبذل له أهلها نصف دخل بلد حارم ، وهادنوه ، فأجابهم إلى ذلك ، وعاد عنهم وقد استدار المسلمون بتلك الأعمال ، وضعفت قوى الكافرين ، وعلموا أنّ البلاد قد جاءها ما لم يكن لهم في حساب ، وصار قصاراهم حفظ ما بأيديهم بعد أن كانوا قد طمعوا في ملك الجميع .
--> [ 1 ] اجترت .