ابن الأثير

636

الكامل في التاريخ

منه ان يتأخر هذه الدفعة إلى أن ينصلح حال البلاد ثم يعود إليها ، فلا مانع له عنها ، وبذل له على ذلك مالا كثيرا . فلمّا سمع السلطان هذه الرسالة قوي عنده ما قرّره الزكويّ ، وأبى أن يجيب إلى التأخّر ، وصمّم العزم وسار إليها مجدّا . فلمّا بلغ الخليفة الخبر عبر هو وأهله وحرمه ومن عنده من أولاد الخلفاء إلى الجانب الغربيّ في ذي القعدة ، مظهرا للغضب والانتزاح عن بغداذ إن قصدها السلطان ، فلمّا خرج من داره بكى [ 1 ] الناس جميعهم بكاء عظيما لم يشاهد مثله . فلمّا علم السلطان ذلك اشتدّ عليه ، وبلغ منه كلّ مبلغ ، فأرسل يستعطف الخليفة ، ويسأله العود إلى داره ، فأعاد الجواب أنّه لا بدّ من عودك هذه الدفعة ، فإن الناس هلكى بشدّة الغلاء ، وخراب البلاد ، وأنّه لا يرى في دينه أن يزداد ما بهم ، وهو يشاهدهم ، فإن عاد السلطان ، وإلّا رحل هو عن العراق لئلّا يشاهد ما يلقى الناس بمجيء العساكر . فغضب السلطان لقوله ، ورحل نحو بغداذ ، وأقام الخليفة بالجانب الغربيّ ، فلمّا حضر عيد الأضحى خطب الناس ، وصلّى بهم ، فبكى الناس لخطبته ، وأرسل عفيفا الخادم ، وهو من خواصّه ، في عسكر إلى واسط ليمنع عنها نوّاب السلطان ، فأرسل السلطان إليه عماد الدين زنكي بن آقسنقر ، وكان له حينئذ البصرة ، وقد فارق البرسقيّ ، واتصل بالسلطان ، فأقطعه البصرة . فلمّا وصل عفيف إلى واسط سار إليه عماد الدين ، فنزل بالجانب الشرقي ، وكان عفيف بالجانب الغربيّ ، فأرسل إليه عماد الدين يحذّره القتال ، ويأمره بالانتزاح عنها ، فأبى [ 2 ] ولم يفعل ، فعبر إليه عماد الدين ، واقتتلوا ، فانهزم

--> [ 1 ] بكا . [ 2 ] فأبا .