ابن الأثير

634

الكامل في التاريخ

عشر نفسا عدّة الكلاب التي رآها ، فجرحوه بالسكاكين ، فجرح هو بيده منهم ثلاثة ، وقتل رحمه اللَّه . وكان مملوكا تركيّا ، خيّرا ، يحبّ أهل العلم والصالحين ، ويرى [ 1 ] العدل ويفعله ، وكان من خير الولاة يحافظ على الصلوات في أوقاتها ، ويصلّي من الليل متهجّدا . حكى لي والدي ، رحمه اللَّه ، عن بعض من كان يخدمه قال : كنت فرّاشا معه ، فكان يصلّي كلّ ليلة كثيرا ، وكان يتوضّأ هو بنفسه ، ولا يستعين بأحد ، ولقد رأيته في بعض ليالي الشتاء بالموصل ، وقد قام من فراشه ، وعليه فرجيّة صغيرة وبر ، وبيده إبريق ، فمشى [ 2 ] نحو دجلة ليأخذ ماء ، فمنعني البرد من القيام ، ثم إنّني خفته ، فقمت إلى بين يديه لآخذ الإبريق منه ، فمنعني وقال : يا مسكين ! ارجع إلى مكانك ، فإنّه برد ، فاجتهدت لآخذ الإبريق ، فلم يعطني ، وردّني إلى مكاني ثم توضّأ وقام يصلّي . ولمّا قتل كان ابنه عزّ الدين مسعود بحلب يحفظها من الفرنج ، فأرسل إليه أصحاب أبيه بالخبر ، فسار إلى الموصل ودخلها أوّل ذي الحجّة ، وأحسن إلى أصحاب أبيه بها ، وأقرّ وزيره المؤيّد أبا غالب بن عبد الخالق بن عبد الرزّاق على وزارته ، وأطاعه الأمراء والأجناد ، وانحدر إلى خدمة السلطان محمود ، فأحسن إليه وأعاده ، ولم يختلف عليه أحد من أهل بلاد أبيه . ووقع البحث عن حال الباطنيّة ، والاستقصاء عن أخبارهم ، فقيل إنّهم كانوا يجلسون إلى إسكاف بدرب إيليا ، فأحضر ووعد الإحسان إن أقرّ ، فلم يقرّ ، فهدّد بالقتل ، فقال : إنّهم وردوا من سنين لقتله ، فلم يتمكّنوا منه إلى

--> [ 1 ] دري . [ 2 ] فمشا .